لسنوات طويلة سمعنا من كبار العلماء وذوي المعرفة أن هذه الثورة المباركة ستتصل بقيام الإمام الحجة المنتظر عليه السلام، وأن الراية ستصل في نهاية المطاف إلى صاحبها الحقيقي. ومع استشهاد السيد الشهيد، آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قدس سره، يبرز في الأوساط العلمية سؤال جوهري: كيف يمكن قراءة تلك التنبؤات الآن؟ وما مصيرها في ظل تطابق بعض علامات “سيد خراسان” مع شخصيته؟ وهل يمكن اعتبار هذا سببًا للريبة في صحة البشارات المتعلقة بالظهور؟
وقد تناول حجّة الإسلام السيد روح الله حسيني هذه المسألة ضمن حوار تحليلي متكامل، مقدمًا قراءة دقيقة وعميقة للباحثين والمهتمين، معتمداً على ثلاثة مستويات مترابطة: البُعد الروائي والاعتقادي، البُعد الفلسفي والمعرفي، والبُعد العقلي والاستراتيجي، ما يتيح فهماً شاملاً للموضوع من جميع الزوايا.
1. البُعد الروائي والاعتقادي (أسس المهدوية الأصيلة)
النهي عن تحديد الزمان أو المطابقة المطلقة للأشخاص (التوقيت)
تنصّ النصوص المقدسة على قاعدة قطعية مفادها: «كَذَبَ الوَقَّاتُونَ»، وهو ما يمنع أي محاولة لتحديد وقت الظهور أو مطابقة العلامات مع شخص معين قبل تحقق الوقوع الفعلي. لذلك، فإن الإصرار على اعتبار شخصية معاصرة مثل “الخراساني” تفسيرًا مطلقًا هو اجتهاد شخصي ذوقي، لا يُلزَم به أحد. وفي الروايات الصحيحة، لم يُذكر أن لقب “خراسان” يدل بالضرورة على شخص واحد يحمل خصائص نسبية محددة مثل السيادة أو الزعامة العائلية، بل قد يشير إلى دلالات رمزية أو وظيفة قيادية أو امتداد لمبدأ الحق في زمانه، ما يوضح أن الحركة والهدف أكبر من أي شخص منفرد.
السنّة الإلهية في “التمحيص” والغربلة
أحد أصعب الامتحانات في زمن الغيبة هو اختبار الزمن، حيث تتضح قيمة الصبر والتمحيص. فالأحداث المفاجئة وتأخر الوقائع التي يظنّ الناس قربها تهدف إلى فصل المخلص من غيره، وتمييز المؤمنين العميقين عن المنتظرين السطحيين، كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام. ومن هنا يظهر حكمة التمهيد والتجربة العملية في التثبت من الطريق الصحيح قبل الوصول إلى المرحلة النهائية للظهور.
البداء: التغيير في القضاء غير المحتوم
حتى في علامات الظهور، باستثناء الحالات القطعية، هناك إمكانية ما يُعرف بالبداء، أي أن الله تعالى قد يغيّر توقيت أو كيفية وقوع بعض الأحداث وفق حكمته ومصلحته، أو لاختبار صبر ووعي الأمة. كما حدث مع ميعاد الثلاثين يومًا للنبوة عند موسى عليه السلام، الذي تغيّر إلى أربعين يومًا لاختبار قومه، تسري مثل هذه السنن أيضًا على مقدرات الظهور، مما يبرز حكمة الترتيب الإلهي وضرورة الالتزام بالصبر وفهم التوقيت الإلهي.
2. البُعد الفلسفي والمعرفي (مراتب الإدراك والشهود)
تعدد مراتب الوجود والشهود
في الحكمة، الحقائق تتجلّى بأشكال متفاوتة في عوالم مختلفة—الجبروت، الملكوت، الناسوت—وقد يرى أحد الأولياء في عالم الملكوت حقيقة ارتباط النهضة بالظهور، بينما تحققها الفيزيائي في عالم الناسوت -أي عالم الدنيا والمادة-يخضع لظروف وموانع مادية تجعل الشهود غير مؤكد زمنيًا. وهذا يوضح أن الإدراك العميق قد يسبق التحقق الواقعي، ولا يجوز الخلط بين رؤية الحقيقة وتجسيدها المادي في اللحظة نفسها.
الخطأ في التأويل والتطابق
المكاشفة، وإن كانت صادقة في جوهرها ولكنها غير معصومة أولا، ثم قد تقع في الخطأ عند مرحلة التأويل في ذهن العارف أو في التطابق على شخص معاصر ثانيا. فقد يرى العارف “حقيقة انتصار جبهة الحق” في صورة “وجه القيادة”، لكنها في الواقع رمز لمسار الحق وجريان الحركة، وليس شخصًا فيزيائيًا محددًا.
التفسير الرمزي لـ “تسليم الراية”
رؤية مشهد “تسليم الراية للإمام المهدي عليه السلام” على يد شخصية ما في العوالم العليا لا تعني بالضرورة لقاء فيزيائي لحظة الظهور. هذا المشهد قد يُفهم على أنه إتمام المهمة، أو رفع المسؤولية، أو نجاح مشروع ذلك الشخص في زمن الظهور أو تمهيده له، بل قد تكون الشهادة نفسها أسمى صورة لتسليم الراية للقدس الإلهي، بما يضمن استمرار النهضة وتحقيق الهدف النهائي.
3. البُعد العقلي والاستراتيجي (الرؤية الحضارية)
أصالة الحركة على الأشخاص
الحديث عن “قيام أهل قم” يشير إلى حركة حضارية تهدف إلى تمهيد الأرضية للقدس والظهور. هذه الحركة لا تتوقف برحيل قائد أو استشهاد شخصية محورية، بل تستمر بأهدافها الكبرى. الشهادة ليست عائقًا، بل عامل محفز، كما وصفها الإمام الخميني قدس سره، فهي “ضامن الثورة” ومسرّعة لحركة الأمة نحو الهدف، مقدمة درسًا عمليًا للأجيال القادمة حول قيمة التضحية في سبيل استمرار المشروع.
تحقق النصر عبر الابتلاء العظيم
أثبت التاريخ أن أعظم الانتصارات تأتي بعد أعظم التضحيات. وإذا كان من المقرر أن تصل الراية إلى صاحبها، فإن دماء الشهداء في سبيل الحق تشكّل الوقود الأساسي لهذه المسيرة الصاعدة نحو قمة الظهور، مؤكدة أن الطريق نحو تحقيق الغاية يتطلب ثباتًا وتضحيات متواصلة، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
الخلاصة
إن شهادة الإمام الخامنئي قدس سره لا تُعدّ نقضًا للبشارات المتعلقة بالظهور، بل تدل على دخول جبهة الحق مرحلة دقيقة من “التمحيص” و”تقدير قوة الدم على السيف”. ونحن على يقين بأن هذه النهضة المباركة مقدمة للظهور المبارك سواء قرب أو بعد، سواء بالحضور الفعلي لقادتنا أو ببركة دمائهم الطاهرة التي تمهّد الطريق للمنتقم لدم الحسين عليه السلام.
فعلينا دائما أن نكون مستعدين ومترقبين لفرج المولى صاحب الزمان عليه السلام فب كل آن بعيدا عن كل علامة أو تفسير، فعن الإمام الصادق عليه السلام: أقربُ ما يكون العبادُ من الله وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجّةَ الله جلّ وعزّ ولم يظهرْ لهم ولم يعلموا بمكانِه، وهم في ذلك يعلمون أنّه لم تبطلْ حجّةُ الله جلّ ذكره ولا ميثاقُه، فعندها فتوقّعوا الفرجَ صباحًا ومساءً. (كتاب الغيبة، ج١، ص١٦٣).
«وَنَرَاهُ قَريباً…»
*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل