ما ينبغي معرفته عن الحروف المقطعة في القرآن

تُعد الحروف المقطعة من أكثر آيات القرآن الكريم إثارةً للتساؤل، وقد طرح المفسرون حولها آراءً متعددة ومتنوعة. وفي هذا الحوار مع باحثة متخصصة في العلوم القرآنية، نستعرض أبرز هذه الآراء والتفسيرات.

تمهيد

في تلاوة القرآن الكريم، تبدأ بعض السور بحروف مثل «الم» و«المر» و«يس»، وتُعرف هذه الحروف باسم الحروف المقطعة. وقد وردت في مطالع تسعٍ وعشرين سورةً من سور القرآن الكريم، وهي حروف تُتلى دون أن يكون لها معنى ظاهر مباشر؛ حتى بدت كأنها سرّ بين الله وعباده، مما جعلها محط اهتمام المفسرين والباحثين منذ العصور الأولى.

وربما يتبادر إلى الذهن سؤال مهم: لماذا تبدأ بعض سور القرآن بهذه الحروف؟ وهل تحمل دلالات رمزية أو معاني خاصة؟ وما الحكمة من ورودها بهذه الصورة المتفرقة؟

وللبحث في هذه القضية وبيان أبرز الآراء الواردة فيها، أجرينا حواراً مع الباحثة والمتخصصة في العلوم القرآنية السيدة مريم ملك محمدي. ونقدّم هذا الحوار للباحثين والمهتمين بالمعرفة، لعل هذه الكلمات تكون خطوة ـ وإن كانت صغيرة ـ في طريق التعرف إلى بعض أسرار القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي هو مصدر النور والهدى.

السؤال: ما معنى الحروف المقطعة في القرآن؟

الجواب:

الحروف المقطعة في القرآن الكريم هي حروف من الأبجدية العربية تأتي منفردة في مطالع تسعٍ وعشرين سورةً من سور القرآن. وتُعد هذه الحروف من أسرار القرآن، وقد طرح المفسرون والباحثون آراءً متعددة في بيان معناها والغاية من ورودها.

الحروف المقطعة ودلالتها على إعجاز القرآن

يرى بعض المفسرين أن الحروف المقطعة تشير إلى أن القرآن الكريم، على ما فيه من عظمة وبلاغة فريدة، مؤلف من الحروف العربية نفسها التي يتكلم بها الناس ويعرفونها.

فاللافت أن هذه الحروف البسيطة التي يتألف منها القرآن هي ذاتها الحروف التي يستعملها البشر في كلامهم، ومع ذلك لم يستطع أحد أن يأتي بكتاب يماثل القرآن أو يضاهيه.

ومن هنا تُعد هذه الحقيقة دليلاً واضحاً على إعجاز القرآن الكريم، وأن هذا الكتاب العظيم ليس من صنع البشر، بل هو كلام الله تعالى.

الحروف المقطعة وسيلة لجذب الانتباه

ومن الآراء المطروحة أيضاً أن الحروف المقطعة كانت وسيلة لجذب انتباه المستمعين. فقد كانت تُتلى بطريقة مميزة وبنبرة خاصة، الأمر الذي يلفت السامعين ويجعلهم ينصتون إلى ما يأتي بعدها من آيات.

وقد كان لهذا الأسلوب أثر خاص في زمن نزول القرآن؛ إذ كان بعض المشركين يحاولون إحداث الضجيج أثناء تلاوة القرآن لمنع الناس من الاستماع إليه. فجاءت هذه الحروف بأسلوب تلاوتها المميز لتلفت الانتباه وتدفع المستمعين إلى الإصغاء.

وبذلك أصبحت الحروف المقطعة وسيلةً لإيصال رسالة القرآن إلى الناس، رغم محاولات المشركين التشويش على تلاوته.

استكشاف أسرار الحروف المقطعة

يرى بعض المفسرين أن بين الحروف المقطعة ومضمون السورة التي ترد في بدايتها نوعاً من التناسب والارتباط المعنوي.

وبعبارة أخرى، قد يكون هناك ارتباط خاص بين هذه الحروف وبين موضوعات السورة ومضامينها. فالسور التي تشترك في الحروف المقطعة نفسها قد تتشابه أيضاً في بعض موضوعاتها العامة.

وقد أشارت بعض الدراسات الحديثة إلى أن الحروف التي ترد في مطالع السور قد تتكرر داخل تلك السور بنسبة أعلى من غيرها من الحروف.

ويرى فريق من المفسرين أن الحروف المقطعة تمثل سراً بين الله تعالى والنبي الأكرم ﷺ، وأن علمها الكامل عند الله وعند المعصومين عليهم السلام. ومن هذا المنطلق، فإن فهم حقيقتها التامة قد يكون مما اختص الله بعلمه.

الحروف المقطعة وإشاراتها إلى أسماء الله

استناداً إلى بعض الروايات الواردة، ذهب بعض المفسرين إلى أن الحروف المقطعة قد تكون إشارات إلى أسماء الله وصفاته.

كما فسر بعضهم هذه الحروف بأنها تشير إلى اسم الله الأعظم.

فقد ذهب بعض المفسرين ـ في تفسير حروف مثل «المص» ـ إلى أنها ترمز إلى معانٍ مرتبطة بأسماء الله وصفاته، ففسروها مثلاً بعبارة «أنا الله المقتدر الصادق»، على سبيل بيان المعنى الرمزي لهذه الحروف.

وهناك رأي آخر يرى أن هذه الحروف تُشبه حروف القسم، وتدل على تأكيد ما يأتي بعدها من الآيات وعظمته.

كما ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الحروف تُعد أسماءً أو علاماتٍ للسور نفسها؛ إذ تُعرف بعض السور وتُسمى بهذه الحروف المقطعة.

ومن هنا تعددت الآراء في تفسير هذه الحروف، حيث نظر كل مفسر إليها من زاوية خاصة.

ملاحظة إضافية

ومن النقاط اللافتة أيضاً أنه في أربعٍ وعشرين سورةً تبدأ بالحروف المقطعة يأتي الحديث مباشرة بعدها عن القرآن الكريم، أو عن نزوله، أو عن آيات الله.

وهذا الارتباط الوثيق يعزز رأي من يرى وجود صلة بين الحروف المقطعة وبين مكانة القرآن وعظمته.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن للحروف المقطعة في القرآن الكريم ـ بحسب المصادر التفسيرية ـ دلالات متعددة، من أهمها ما يتعلق بإعجاز القرآن الكريم.

أما التفسيرات الأخرى المطروحة، مثل كونها وسيلة لجذب الانتباه، أو ارتباطها بمضمون السورة، أو كونها سراً بين الله والنبي ﷺ، أو إشارتها إلى أسماء الله، أو كونها نوعاً من القسم، فقد وردت أيضاً في آراء المفسرين.

والجدير بالذكر أن هذه التفسيرات لا يلزم أن تكون متعارضة؛ إذ يمكن الجمع بينها، وقبول تعدد الدلالات في فهم هذه الحروف.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

إستفتاء حول جواز التّقاصّ
السؤال: هناك اشكال طرحه احد الحداثويين يقول فيه : خطاب موجه للشيعة الامامية الاثني عشرية انكم تدعون ان عقيدتكم هي الحق وانكم تمثلون الدين الصحيح وانكم تتبعون القرآن وعترة نبيكم مع كل هذا الادعاء نجد ان علمائكم قد اختلفوا في كثير من المسائل العقائدية والفقهية والسياسية و… الى آخره فأي مذهب هذا يمثل الحق مع هذه الاختلافات الفكرية الكبيرة في داخل مذهبكم؟
إشكالية الإدارة والتخصص في نظرية ولاية الفقيه: الفقه أم العلم؟
الأحكام الشرعية | عرض الرشوة من أجل الوصول إلى الحق والحقوق
السؤال: هل المحسن غير المتدين تكون عاقبته إلى خير في نهاية المطاف؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل