بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الصادق عليه السلام، نضع بين أيديكم مقتطفات من كلمات قائد الثورة الشهيد (آية الله السيد علي الخامنئي) في هذا الشأن:

اليوم تحلّ ذكرى استشهاد الإمام الصادق عليه السلام.

وتبرز هنا علاقة وثيقة بين حركة الإمام الصادق عليه السلام والمسار العام لحركة الأئمة الهداة عليهم السلام، ولا سيما الأئمة التسعة الذين حملوا هذه الرسالة بعد واقعة عاشوراء حتى عصر غيبة الإمام الحجة (عجل الله فرجه)، وبين سلوك وهوية وحركة مجتمعنا المؤمن في يومنا هذا.

تحوّل الخلافة إلى سلطان جائر

عند التأمل في تاريخ الإسلام، نلحظ أنه مرّ بمرحلة بالغة الخطورة، تمثلت في تحوّل الخلافة ـ بوصفها نظام حكم قائم على أسس الدين ـ إلى مُلك عضوض وسلطان جائر. ورغم أن بعض كبار الصحابة قد حذّروا الأمة من وقوع هذا الانحراف، إلا أنه وقع بالفعل. وليس المقام هنا لبحث أسبابه أو تحديد المسؤوليات، بقدر ما يعنينا إدراك خطورته ونتائجه.

فقد أدى هذا التحول إلى انحراف عميق في مسار المجتمع الذي تأسس أساسًا على القيم الإسلامية، واستهدف تحقيق سعادة الإنسان وصون كرامته. إذ عندما لا تنبثق من قمة الهرم الحاكم قيم التقوى والصلاح والمعرفة، بل تتصدر بدلاً عنها النزعة الدنيوية، والاستعلاء الطبقي، والمادية، والشهوات، فإن القيم الرفيعة لا تلبث أن تتآكل وتتراجع. وهذا ما شهده تاريخ صدر الإسلام في إحدى مراحله الحساسة.

وظيفة الأئمة عليهم السلام في مواجهة الانحراف

في مثل هذه الظروف العصيبة، يبرز سؤال جوهري: ما الذي كان يقتضيه الواجب من أولئك المخلصين والمؤمنين الصادقين؟

وعلى رأس هؤلاء، الأئمة المعصومون عليهم السلام، الذين خصّهم الله بنصيب وافر من العلم والهداية، وجعلهم قادة للأمة وحماة لمسارها الصحيح.

لقد أدرك الأئمة عليهم السلام أن مسؤوليتهم تتمثل في الوقوف بوجه هذا الانحراف الكبير. فبدأوا بالمواجهة والصمود، مواجهةً سياسية واضحة ومباشرة كما في عهد الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، حيث شكّلت تلك المواقف شعلة احتجاج عميقة في وجه الواقع المنحرف.

ثم استمر هذا النهج بعد ذلك في عهود الأئمة اللاحقين، ولكن في ظروف أشد تعقيدًا وصعوبة. وقد ارتكزت حركتهم على ركيزتين أساسيتين:

الأولى: ترسيخ القيم والفكر الإسلامي الأصيل في وعي المجتمع وتعميق جذوره فيه.
الثانية: السعي لهدم البنية المنحرفة التي قامت على أنقاض النبوة، والعمل على إقامة البناء الإسلامي الصحيح مكانها.

وما نعرضه هنا ليس إلا صورة إجمالية لهذه المسيرة، وإلا فإن تفاصيلها أوسع وأدق مما يتسع له المقام.

لماذا كان عصر الإمام الصادق عليه السلام متميزًا؟

لقد خاض الأئمة عليهم السلام جهادًا شاقًا وعميقًا وشاملًا، على المستويين الثقافي والمعنوي، من أجل صيانة العقيدة الإسلامية من الانحراف، كما خاضوا مواجهة على الصعيد السياسي أيضًا.

غير أن هذه الحركة بلغت ذروتها في زمن الإمام الصادق عليه السلام. وليس المقصود أن بقية العصور خلت من هذه الذروة، فقد شهدت عصور أخرى ـ كعصر الإمام الرضا عليه السلام ـ محطات بالغة الأهمية، إلا أن خصوصية زمن الإمام الصادق عليه السلام تمثلت في توفر ظروف فريدة، أفسحت له المجال لترسيخ أسس المعرفة الإسلامية ترسيخًا راسخًا ومتينًا.

وقد استطاع هذا الإمام العظيم أن يبني قاعدة معرفية عميقة، بحيث عجزت محاولات التحريف والتشويه، على امتداد الزمن، عن تقويضها أو النيل منها.

لقد قام عليه السلام بهذا الدور ليبقى هذا الأساس حيًا ومتجذرًا، وليتمكن، في كل عصر، من يستحق الاستفادة منه، من إقامة النظام الإسلامي القائم على القيم، وبناء ذلك الصرح الشامخ.

علاقتنا اليوم بحركة الأئمة عليهم السلام

إن ما يواجهه مجتمعنا اليوم في إطار نظام الجمهورية الإسلامية يحمل وجهاً من التشابه مع تلك الحركة العميقة التي قادها الأئمة عليهم السلام، والتي تطلبت منهم صبرًا عظيمًا وتحملًا استثنائيًا.

كما أن هذه المسيرة المعاصرة تحمل في طياتها آثارًا عميقة ومباركة، تمتد جذورها إلى ذلك الجهاد الطويل الذي خاضه الأئمة، وفي طليعتهم الإمام الصادق عليه السلام.


المصدر: لقاء مع قوات التعبئة في ذكرى استشهاد الإمام الصادق عليه السلام بتاريخ: 29 تشرين الثاني 2005م.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل