لماذا يبتعد المراهق عن أسرته؟ قراءة تربوية في التحول النفسي

عندما ينسحب المراهق تدريجياً من محيط أسرته، وينغلق داخل عالمه الخاص بين الهاتف وغرفة مغلقة وعلاقات افتراضية متشعبة، لا يعود السؤال المطروح مجرد قلق عابر لدى الآباء، بل يتحول إلى إشكالية تربوية مركزية: ما الذي يحدث فعلاً داخل هذه المرحلة؟ وكيف يمكن استعادة قناة تواصل تكاد تنقطع؟

في كثير من الحالات، لا يكون الانسحاب الأسري رفضاً مباشراً للوالدين بقدر ما هو إعادة تشكيل لعلاقة المراهق مع ذاته والعالم من حوله، ما يجعل المقاربة التقليدية القائمة على التوجيه المباشر أو الضغط الأسري أقل فاعلية من أي وقت مضى، ويضع الأسر أمام ضرورة إعادة التفكير في أدوات التواصل ذاتها.

وفي هذا السياق، تناول حجة الإسلام يوسف زاده، الخبير في قضايا الأسرة، واحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه العائلات في تربية المراهقين، كما نعرضها فيما يلي.

السؤال:

لدينا ابن في الخامسة عشرة من عمره، والمشكلة الكبرى التي نواجهها معه أنه لا يتواصل معنا إطلاقاً. يقضي معظم وقته في غرفته منشغلاً بهاتفه وألعاب الكمبيوتر. وكلما حاولنا التحدث معه أو تقديم النصح له، ينتهي الأمر إلى جدال. نحن قلقون على مستقبله، وعلى أصدقائه، وعلى دراسته، ولا نجد أي لغة مشتركة معه.

الجواب:

تواجه كثير من العائلات التي لديها أبناء في مرحلة المراهقة فترةً صعبة قد تُحدث خللاً في التوازن الداخلي للأسرة ونظامها العام. وغالباً ما يصاحب تفاعل الوالدين مع ابنهم المراهق الأكبر تحديات واضحة، وقد يمتد أثرها أحياناً إلى العلاقة بين الأب والأم نفسها من الناحية النفسية. وفي كثير من الحالات يشعر الوالدان وكأن أبناءهم في هذه المرحلة قد جاؤوا من عالم آخر، تحكمه أنماط وسلوكيات مختلفة تماماً.

وللإجابة عن تساؤلات الآباء الذين يجدون أنفسهم أمام هذه المرحلة من حياة أبنائهم، يمكن مقاربة الموضوع من زاويتين:

المنظور الأول: طبيعة سن المراهقة

المراهقة مرحلة طبيعية أودعها الله سبحانه وتعالى في مسار نمو الإنسان، ومن أبرز سماتها الأساسية “البحث عن الهوية”. وهذه العملية، التي تُعد جزءاً من النضج الجسدي والفكري ومن مظاهر البلوغ وتحمل المسؤولية، تدفع المراهق إلى السعي نحو تكوين هوية مستقلة خاصة به. وفي جوهر هذه المرحلة يقف سؤال محوري: “من أنا؟”

وفي الوقت نفسه، يحتاج المراهق إلى بيئة آمنة يشعر فيها بالانتماء إلى أسرته واحتضانها له.

وعليه، أيها الآباء الأعزاء، فإن مرحلة المراهقة لا تخص الأبناء وحدهم، بل تمتد أيضاً إلى حياتكم الأسرية؛ فكأنكم أنتم أيضاً تعيشون “مراهقة أسرية” موازية. إن ابتعاد المراهق الظاهري عن أسرته لا يعني بالضرورة رفضه لوالديه، بل هو في الغالب محاولة طبيعية لبناء هويته المستقلة.

المنظور الثاني: تغيير النهج الأبوي من السيطرة إلى التواصل

ورد في الروايات الإسلامية ما يشير إلى تقسيم مراحل التربية إلى ثلاث مراحل: فالسنوات السبع الأولى هي مرحلة المحبة واللعب، والسنوات السبع الثانية هي مرحلة السيطرة والإدارة وتعليم الآداب، أما السنوات السبع الثالثة فهي مرحلة “الوزارة” أو المشورة. وفي هذه المرحلة يُفترض أن تتحول العلاقة إلى علاقة قائمة على الندية والتشاور والتبادل، بما يتيح للمراهق أن ينمو بوصفه مشروع إنسان مستقل، وشريكاً في صناعة مستقبله، لا مجرد متلقٍ للتوجيه.

*ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

حرب رمضان؛ الواجبات الشرعية للمسلمين في إدارة الحرب وأحكام التقليد
الأحكام الشرعية | طريقة تطهير باطن الحذاء
لماذا استجاب الحسين (ع) لأهل الكوفة وأرسل إليهم سفيره مسلمَ بن عقيل مع علمه بحالهم ومع نصح بعض أصحابه له بعدم التوجُّه إلى هناك؟
السؤال: في بعض الروايات أنّ الإمام الحجّة عليه السلام عند ظهوره «يقوم بدين جديد». فكيف يُتصوَّر أن يأتي بدين غير دين النبيّ صلّى الله عليه وآله؟
ما هي الأديان الإبراهيمية وغير الإبراهيمية؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل