من خلال شرح الأبعاد الفقهيّة والدّوليّة للهجوم الأخير الّذي شنّه الأعداء، وصف الأستاذ رضا باذلي عمليّةَ “الوعد الصادق 4” بأنّها مصداقٌ بارزٌ للدّفاع المشروع والدّفاع المقدّس الثالث، مؤكّدًا أنّه بناءً على آيات القرآن الكريم والمادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة، فإنّ الردّ الحاسم على العدوان المشترك للولايات المتّحدة والكيان الصهيونيّ يُعدّ واجبًا شرعيًّا وقانونيًّا لحماية السّيادة الوطنيّة وأمن العالم الإسلاميّ.
في أعقاب الأحداث الأخيرة والعدوان المشترك الذي شنّته الولايات المتّحدة والكيان الصهيوني على أراضي الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، أُثيرت تساؤلاتٌ حول الأبعاد الفقهية والقانونية للردّ المقتدر الّذي نفّذته القوّات المسلّحة الإيرانيّة.
وفي هذا السياق، أوضح أستاذ الحوزة العلمية والباحث في معهد الإمام الصّادق (عليه السلام) لعلم الكلام الإسلاميّ رضا باذليّ، في حوارٍ مع مراسل وكالة أنباء الحوزة، الأبعاد الدّينيّة والدّوليّة لهذه المواجهة التي يُشار إليها بـ«الدّفاع المقدّس الثّالث».
واستنادًا إلى آيات القرآن الكريم وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، إضافةً إلى مبادئ ميثاق الأمم المتّحدة، وصف باذلي عمليّة «الوعد الصادق 4» بأنّها تجلٍّ للعقلانيّة والالتزام الشرعيّ والقانونيّ.
بداية حرب رمضان؛ عدوان المستكبرين والردّ المشروع لإيران
وأشار الأستاذ باذليّ إلى الخلفيّة التاريخيّة لهذه المعركة، موضحًا أنّه في 9 إسفند 1404هـ.ش (الموافق 10 رمضان 1447هـ – 28 فبراير 2026م)، أقدمت جبهة الاستكبار بقيادة الولايات المتّحدة والكيان الصّهيونيّ، في عملٍ عدوانيٍّ، على استهداف نقاطٍ في العاصمة طهران ومدنٍ إيرانيّةٍ أخرى. وبدورها، نفّذت إيران الإسلاميّة، في إطار الدّفاع عن سيادتها الوطنيّة، عمليّة “الوعد الصادق 4” المظفّرة بمزيجٍ من الهجمات الصاروخيّة والمسيّرة ضدّ الأراضي المحتلّة وقواعد المعتدين في المنطقة.
وأضاف أستاذ حوزة قم العلميّة أنّ التاريخ يشهد بأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لم تكن يومًا البادئة بالحرب، لكنّها كانت دائمًا حازمةً في صدّ العدوان. وأوضح أنّنا اليوم في خضمّ الدّفاع المقدّس الثالث في تاريخنا؛ الأوّل هو الدّفاع الّذي استمرّ ثماني سنواتٍ في مواجهة نظام صدّام حسين (1980-1988م)، والثّاني هو الدّفاع الّذي استمرّ اثني عشر يومًا في مواجهة الكيان الصّهيونيّ السّفّاح (يونيو 2025م)، أمّا اليوم فنحن أمام دفاعٍ جديدٍ في ما يُعرف بـ”حرب رمضان” الّتي جاءت للحفاظ على العزّة الوطنيّة والأمن القوميّ.
القسم الأول: مشروعيّة الدّفاع في ضوء الوحي
وأشار الأستاذ باذليّ في تبيينه للأسس القرآنيّة لهذا الدفاع المقدّس إلى عدّة محاور أساسيّةٍ:
1) مبدأ المعاملة بالمثل في الآيات القرآنيّة
واستنادًا إلى قوله تعالى في الآية 194 من سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، أوضح باذلي أنّ اللّه سبحانه وتعالى، على الرغم من تأكيده على حرمة الأشهر الحُرم، قد أذن بالدّفاع حتّى في هذه الأشهر. وهذا يعني أنّ حرمة دم المسلم والحفاظ على النّظام الإسلاميّ مقدّمان على حرمة الزمان والمكان. فإذا استغلّ العدوّ وقف إطلاق النّار للاعتداء، فإنّ مواجهته تُعدّ من صميم التقوى.
2) القتال في الإسلام؛ استراتيجيّةٌ دفاعيّةٌ لدفع الشّرّ
وأضاف الأستاذ باذليّ، من خلال قراءةٍ في رؤية العلّامة الطباطبائيّ (رحمه اللّه) في تفسير الميزان، أنّه وفقًا للآية 190 من سورة البقرة، فإنّ القتال في الإسلام يكون فقط ضدّ الذين يقاتلون المسلمين. فالإسلام ليس دين عدوانٍ، لكنّه، في الوقت نفسه، لا يقبل الذّلّ. ويُعدّ الدّفاع في منطق القرآن الكريم وسيلةً لدفع الشّرّ، وهو ما يفضي في النّهاية إلى تحقيق الخير والأمن للبشريّة.
3) الرّدع؛ استراتيجيّة إنهاء الفتنة
واعتبر أستاذ حوزة قمّ العلميّة قوله تعالى في الآية 193 من سورة البقرة ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ناظرًا إلى الجانب الرّدعيّ، مؤكّدًا أنّ الهدف من الدفاع المقتدر هو منع العدو من التفكير في تكرار الاعتداء، واجتثاث جذور الفتنة والعدوان.
القسم الثاني: سيرة المعصومين (عليهم السلام) وفتاوى المراجع العظام
وتابع هذا الباحث الحوزويّ حديثه بتبيين الأسس الرّوائيّة للموضوع، مشيرًا إلى قاعدتين أساسيّتين:
1) قاعدة «ردّوا الحجر»؛ الرّدّ الحاسم على الشّرّ
واستنادًا إلى الحكمة 314 من نهج البلاغة: «رُدّوا الحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ»، أوضح أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر بردّ الحجر من حيث جاء، لأنّ الشرّ لا يُدفع إلّا بالشرّ. وهذا قانونٌ عامّ لمواجهة الأعداء الذين لا يفهمون سوى لغة القوّة.
وأضاف هذا الأستاذ الحوزويّ، مستشهدًا برواياتٍ عن الإمامين الصّادق والباقر (عليهما السلام) حول وجوب التّصدّي للمعتدي والسّارق، أنّه عندما يبيح الإمام المعصوم إراقة دم السّارق الّذي اعتدى على حرمة منزل شخصٍ ما ويتحمّل مسؤوليّة ذلك، فمن باب أولى أن يكون الدّفاع عن الوطن وأرض البلاد – التي تمثّل حرمةً عامّةً للمسلمين – واجبًا وضروريًّا.
2) الإشارة إلى فتاوى آية اللّه العظمى جواديّ الآمليّ
وأشار الأستاذ باذليّ إلى الدّور الّذي يؤديه مراجع التّقليد العظام في توجيه مسار الدّفاع المقدّس، مستذكرًا توجيهات آية اللّه العظمى جواديّ الآمليّ، الذي صرّح بأنّ حبّ الوطن من أسمى الغرائز الإنسانيّة، وأنّ من يعتدي على هذه الأرض يُعدّ متجاوزًا ومحاربًا. وأضاف أنّ تعبير سماحته بأنّ «مواجهة الصّهاينة واجبٌ يتحمّل مسؤوليّته الشّرعيّة الإمام المهديّ (عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف)» يعكس مستوى عاليًا من المشروعيّة الدّينيّة لهذه المواجهة.
القسم الثالث: تطابق الدّفاع الإيرانيّ مع القانون الدّوليّ
كما تناول أستاذ حوزة قم العلميّة الجوانب القانونيّة والدّوليّة لعمليّة «الوعد الصادق 4»، مشيرًا إلى ما يلي:
1) المادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة:
هذه العمليّة هي مصداقٌ بارزٌ للحقّ الأصيل في الدّفاع المشروع (Self-Defense) إثر هجومٍ مسلّحٍ على دولةٍ عضوٍ في الأمم المتّحدة.
2) المادّة 2 من الميثاق:
إنّ الهجوم الّذي شنّته الولايات المتّحدة والكيان الصهيوني يُعدّ انتهاكًا صريحًا لمبدأ حظر التهديد أو استخدام القوّة ضدّ السّلامة الإقليميّة للدّول، ومن ثمّ فإنّ الردّ الإيرانيّ يُعدّ إجراءً قانونيًّا يهدف إلى إعادة الاستقرار.
3) المنطق العقليّ العالميّ:
بما أنّ الدّفاع عن النّفس والمال مُعترفٌ به في مختلف الأنظمة القانونيّة والعقلانيّة في العالم، لذلك أكّد الأستاذ باذليّ أنّ الدفاع الإيرانيّ في حرب رمضان المفروضة، يُعدّ خطوةً مشروعةً وقانونيّةً وأخلاقيّةً بالكامل، سواءً من منظور الآيات والرّوايات أو من منظور المعاهدات والقوانين الدوليّة.
وفي الختام، صرّح بأنّ تسمية هذه المواجهة بـ “الدّفاع المقدّس” ليست مجرّد شعارٍ، بل هي حقيقةٌ نابعةٌ من صلب الفقه والقانون، وتهدف إلى حماية كرامة الشّْيعة وأرض إيران العزيزة.





