إذا كان الإيمان بالآخرة رادعًا، فلماذا تقع المعاصي في المجتمعات الدينية؟

يُعدّ دور الإيمان بالمعاد في تقويم سلوك الإنسان من الموضوعات التي تثير باستمرار تساؤلات وشبهات، ويستلزم الجواب عنها فهمًا أدق للآثار التربوية المترتبة على الإيمان بالآخرة.

إذا كان الاعتقاد بالمعاد يردع الإنسان عن المعصية والانحراف، فلماذا لا تزال بعض المجتمعات المتدينة تشهد مظاهر الانحراف والفساد؟

 

قد يبدو هذا السؤال منطقيًا للوهلة الأولى؛ إذ إذا كان الإيمان بالآخرة يؤدي هذا الدور التربوي المهم، فمن المتوقع أن يكون كل مجتمع يصف نفسه بأنه متدين بمنأى عن المشكلات الأخلاقية والاجتماعية. غير أن هذا التساؤل يغفل التمييز بين المعرفة بالمعاد وبين الإيمان واليقين به.

فالقرآن الكريم يبيّن أن نسيان يوم الحساب هو من أهم أسباب الانحراف، إذ يقول:

(إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)

ويُظهر هذا النص القرآني أن الغفلة عن الآخرة تمهّد الطريق للضلال والانحراف؛ لأن الإنسان عندما لا يستشعر أنه سيُحاسب يومًا على أعماله، تزداد لديه دوافع تجاوز الحق والعدالة.

غير أن النقطة الجوهرية تكمن في أن المعرفة ليست هي الإيمان. فقد يسمع الإنسان منذ طفولته عن القيامة، بل وقد يقرّ بها بلسانه، إلا أن هذه المعرفة قد لا ترتقي إلى مرتبة اليقين. ومثل هذا العلم، بمفرده، لا يمتلك قدرة كبيرة على ردع الإنسان عن الخطأ. أما الذي يغيّر السلوك فعلًا فهو اليقين القلبي بالمعاد؛ ذلك اليقين الذي يجعل الإنسان يستحضر في كل قرار وكل عمل أنه في محضر الله تعالى، ولا يغفل عن الحساب الإلهي.

ومن هنا، فإن مجرد وصف مجتمع ما بأنه «مجتمع ديني» لا يعني بالضرورة أن جميع أفراده يتمتعون بهذا المستوى العميق من الإيمان. فقد يمتلك كثيرون معلومات دينية، لكن هذه القناعات لم تترسخ بعد في نفوسهم. ولذلك، فإن وجود بعض مظاهر الانحراف داخل مجتمع متدين لا يدل على عدم فاعلية الإيمان بالمعاد، بل يكشف عن ضعف هذا الإيمان أو تراجع حضوره لدى شريحة من أفراد ذلك المجتمع.

وتؤكد الشواهد الاجتماعية هذه الحقيقة أيضًا؛ فكلما تعزز استحضار الله تعالى والآخرة في المجتمع، انخفضت معدلات كثير من السلوكيات المنحرفة. ويُعد شهر رمضان المبارك مثالًا واضحًا على ذلك؛ ففي هذا الشهر، يزداد حضور معاني ذكر الله، والتوبة، والقيامة، والحساب الإلهي في عقول الناس وقلوبهم، الأمر الذي ينعكس في انخفاض معدلات كثير من الظواهر السلبية والتصرفات غير السوية في المجتمع.

وعليه، فإن الأثر التربوي للإيمان بالمعاد لا يظهر إلا عندما ينتقل هذا الاعتقاد من مجرد المعرفة إلى مرتبة اليقين والإيمان القلبي. ومثل هذا الإيمان يُعدّ أقوى عوامل الرقابة الذاتية لدى الإنسان، إذ يردعه عن المعصية والانحراف حتى في المواضع التي يغيب فيها أي رقيب من البشر.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

ابني لا يتحمّل الخسارة، ماذا أفعل؟
السؤال: هل تُعدّ المرأة غير المحجّبة، رغم صلاح سائر أعمالها، من أهل النار؟ ولا سيّما أنّ كثيرًا من المحجّبات قد لا تكون أعمالهنّ الأخرى مستقيمة
السؤال: يرى البعض أنّ نهج البلاغة يبالغ في ذمِّ الدنيا والدعوة إلى الزهد وترك الملذات المادية على نحوٍ يشبه الرهبانية، وهذا يناقض قول النبي (ص): «لا رهبانية في الإسلام».
هل سننتصر في حرب رمضان ضد أمريكا والصهيونية؟
من هو "مؤمن آل فرعون" المذكور في القرآن؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل