«ما رأيتُ إلّا جميلاً»… ماذا قصدت السيدة زينب (ع) بهذه العبارة؟

«ما رأيتُ إلّا جميلاً»؛ في منظور السيدة زينب (سلام الله عليها)، ليست العبارة وصفًا لبشاعة الجريمة، وإنما تمجيدٌ لعظمة العبودية والإيثار والثبات العرفاني للإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في سبيل رضا الله تعالى.

 

السؤال:

كيف قالت السيدة زينب (سلام الله عليها) عن استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأبنائه وأصحابه: «ما رأيتُ إلّا جميلاً»؟ فأين يكمن الجمال في كل ذلك القتل وسفك الدماء والجريمة؟

الجواب:

تُعدّ واقعة عاشوراء من أكثر الحوادث إيلامًا في تاريخ الإسلام. فقد شكّل استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، وأبنائه، وإخوته، وأصحابه، إلى جانب سبي أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، مأساةً تُحزن كل إنسان حر. ومن هنا، عندما أجابت السيدة زينب (سلام الله عليها) ابن زياد بقولها: «ما رأيتُ إلّا جميلاً»، برز لدى كثيرين تساؤل: كيف يمكن الحديث عن الجمال وسط كل تلك المصائب والجرائم؟

والجواب عن هذا التساؤل يتوقف على التدقيق في سياق الحوار، وفي تتمة كلام السيدة زينب (سلام الله عليها)، وكذلك في الرؤية التوحيدية الإسلامية للأحداث. فهي لم تكن بصدد تبرير جريمة العدو، ولا إنكار مرارة المصيبة، وإنما كانت تُعبّر عن حقيقة أعمق من ظاهر الحدث.

أولًا: الجمال لم يُنسب إلى الجريمة

إن أول ما ينبغي الالتفات إليه هو أن الظلم والفساد والقتل بغير حق والاعتداء تُعدّ في منطق القرآن من أعظم صور القبح، وقد ذمّ الله تعالى الذين يفسدون في الأرض، وأعلن أنه لا يحب الفساد (1). كما عدَّ قتل الإنسان البريء بمنزلة قتل الناس جميعًا (2).

وبالرجوع إلى كلمات السيدة زينب (سلام الله عليها) يتضح أنها لم تعتبر جريمة جيش يزيد أمرًا جميلًا، وإنما إن قولها: «ما رأيتُ إلّا جميلاً» ينصرف إلى الحقائق المعنوية التي تجلّت في قلب تلك المأساة، كالإيمان، والحرية، والوفاء، والإخلاص، التي جسّدها الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.

فعندما سأل ابن زياد، بلهجة مشبعة بالشماتة: «كيف رأيتِ صنع الله بأخيك؟» أجابت السيدة زينب (عليها السلام):

«مَا رَأَیْتُ إِلَّا جَمِیلًا، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ کَتَبَ اللَّهُ عَلَیْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ…» (3)

وهذا الجزء من كلامها يوضح مقصودها بصورة جلية؛ فالجمال إنما كان في أن الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه أدّوا، عن وعي واختيار، تكليفهم الإلهي، وبلغوا أسمى مراتب العبودية، وهي الشهادة في سبيل الله. ومن ثمّ، فإنها وصفت موقف جبهة الحق في تلك الواقعة بأنه جميل، لا سلوك العدو الذي لم يكن إلا جريمةً وقبحًا.

ثانيًا: هذا الفهم مستند إلى تعاليم القرآن

إن كلام السيدة زينب (سلام الله عليها) ينسجم تمامًا مع تعاليم القرآن الكريم، ويشير بوضوح إلى الآيات التي نزلت بشأن أحداث غزوة أحد:

«وَلَوْ کُنْتُمْ فِی بُیُوتِکُمْ لَبَرَزَ الَّذِینَ کُتِبَ عَلَیْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِیَبْتَلِیَ اللَّهُ مَا فِی صُدُورِکُمْ وَلِیُمَحِّصَ مَا فِی قُلُوبِکُمْ وَاللَّهُ عَلِیمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ». (4)

وتدل هذه الآية على أن استشهاد أولياء الله ليس مجرد حادثة تاريخية مؤلمة، بل هو جزء من السنن الإلهية الحكيمة التي يظهر بها الإيمان والإخلاص، ويتم بها التمييز بين الحق والباطل. ولذلك، فإن السيدة زينب (سلام الله عليها) لم تنظر إلى عاشوراء بمنظارها الظاهري، وإنما قرأتها في إطار الرؤية التوحيدية والسنن الإلهية.

ثالثًا: الرؤية التوحيدية مصدر طمأنينة المؤمن وثباته

إن الرؤية التوحيدية ليست مجرد اعتقاد ذهني، وإنما هي منهج في تفسير جميع أحداث الحياة. فالموحّد يؤمن بأن الله سبحانه هو المالك والمدبّر الحقيقي للعالم، ويوقن بأن شيئًا لا يقع خارج علمه وحكمته وإرادته. ولذلك، فإنه لا ينهار أمام المصائب، ولا يقع في اليأس أو العبثية، لأنه يعلم أن ما يقدّره الله قائم على الحكمة والمصلحة، وإن لم تتكشف جميع أبعاده للإنسان.

يقول الله تعالى:

«قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ». (5)

كما وصف المؤمنين الصادقين بأنهم يقولون عند نزول المصيبة:

«إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ». (6)

أي إنهم يرون أنفسهم وجميع الموجودات ملكًا لله تعالى، ويعتقدون أن المرجع والمصير إليه سبحانه.

وانطلاقًا من هذه المعرفة، لم تكن السيدة زينب (سلام الله عليها) تنظر إلى عاشوراء بوصفها مجرد سلسلة من الآلام والخسائر، بل كانت تراها ميدانًا لتجلّي الحكمة الإلهية، وقمة العبودية، وروعة الإيثار التي جسّدها شهداء كربلاء. ولهذا، ورغم تحملها أعظم المصائب، بقيت ثابتة، وجسّدت بقولها: «ما رأيتُ إلّا جميلاً» أسمى معاني الرؤية التوحيدية والرضا بقضاء الله تعالى.

النتيجة

وعليه، فإن عبارة «ما رأيتُ إلّا جميلاً» لم تكن إنكارًا لمصائب عاشوراء ولا تهوينًا من فداحة المأساة. فقد كانت السيدة زينب (سلام الله عليها) أكثر الناس إحساسًا بمرارة تلك الفاجعة، لكنها لم تقف عند ظاهر الحدث. فما رأته جميلًا هو إيمان الإمام الحسين (عليه السلام)، وإخلاصه، وإيثاره، وعبوديته لله، وكذلك ما أظهره أصحابه وأهل بيته من ثبات في أشد الابتلاءات الإلهية.

ومن هنا، تُعدّ هذه العبارة من أعمق تجليات الرؤية التوحيدية في الإسلام؛ فهي رؤية تدعو إلى قراءة الأحداث في ضوء الحكمة والسنن الإلهية، وتعلّم الإنسان ألا يقتصر في نظره على المظاهر والجوانب الدنيوية، بل أن يتأمل كذلك الحقائق والقيم المعنوية الكامنة وراءها.

الهوامش:

1. سورة البقرة، الآية 205: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.

2. سورة المائدة، الآية 32: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

3. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق: جماعة من المحققين، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 1403هـ، ج45، ص115-116.

4. سورة آل عمران، الآية 154.

5. سورة التوبة، الآية 51.

6. سورة البقرة، الآية 156.

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

لماذا ينبغي في المنظومة الفكرية لولاية الفقيه مواجهة أمريكا وإسرائيل؟
السؤال: لماذا يترتب على الذنب المحدود عقاب أبدي؟
ابني لا يتحمّل الخسارة، ماذا أفعل؟
الأحكام الشرعية | احتكار السلع الأساسية
أحكام رمضان | تأخير قضاء الصوم وآثاره الشرعية

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل