معنى «بعثة الشعب» في بيانات القائد الشهيد والقائد الجديد

يفيد تحليل مفهوم «بعثة الشعب» بأن هذه الفكرة تتجاوز كونها مجرد شعار، لتشكل نموذجًا استراتيجيًا لحيوية الحركات الاجتماعية واستمراريتها.

السؤال:

ما المقصود بـ«بعثة الشعب» في بيانات القائد الشهيد والقائد الجديد؟ وما هي مقتضياتها؟

الجواب:

في المنظومة الفكرية للقائد الشهيد، آية الله السيد علي الحسيني الخامنئي قدّس الله نفسه الزكية، والقائد الجديد، آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي دام ظله العالي، يحظى مفهوم «بعثة الشعب» بمكانة محورية ومصيرية. ويعبّر هذا المفهوم، المستند إلى تعاليم إسلامية وثورية عميقة، عن دور الأمة في المحطات التاريخية الحاسمة ومواجهة التحديات الكبرى. وفيما يلي محاولة لبيان الأبعاد المختلفة لهذه الظاهرة من خلال قراءة دقيقة لبيانات هذين القائدين (1).

ملاحظات حول مفهوم «بعثة الشعب»

أولًا: المهمة الإلهية للشعب

في بيانات القائد الشهيد، تُطرح «بعثة الشعب» بوضوح بوصفها الحل الحاسم والنهائي لمواجهة الأزمات ومؤامرات الأعداء، ولا سيما «الفتن الأمريكية ـ الصهيونية». فبعد الإشارة إلى دور الناس في إخماد نار الفتنة، يطرح قاعدة عامة وسنة إلهية بقوله:

«ومن الآن فصاعدًا أيضًا، إذا وقع حادث للبلاد، فإن الله تعالى سيبعث هذا الشعب لمواجهته، والناس هم الذين سيحسمون الأمر».

إن استخدام كلمة «البعث» هنا يرفع حضور الناس من مجرد فعل سياسي إلى مستوى الرسالة المقدسة. فكما بُعث الأنبياء لهداية الأمم وإنقاذها، فإن «الأمة» ـ وفق هذا التصور ـ تُبعث في اللحظات التاريخية الحاسمة لإنقاذ ثورتها وبلادها بإرادة إلهية.

ويقتضي ذلك امتلاك البصيرة اللازمة لتشخيص لحظة الحاجة وفهم أبعاد مؤامرات الأعداء. فعلى الناس أن يميزوا بين الاحتجاج المشروع ـ كاحتجاجات التجار وأصحاب الأسواق ـ وبين الفتن المنظمة التي يديرها العدو، وأن يُفشلوا مخططاته بحضورهم الواعي. وهذا الحضور ليس رد فعل عاطفيًا أو انفعاليًا، بل هو فعل قائم على التكليف والوعي، يحدد مصير البلاد. وفي هذا الدور لا يكون الناس جنودًا تابعين لتيار سياسي، بل منفذين مباشرين للإرادة الإلهية في حفظ النظام الإسلامي.

ثانيًا: الناس هم أصحاب البلاد والثورة الحقيقيون

يرتكز مفهوم «البعثة» على أصل جوهري يتمثل في أن الثورة الإسلامية أعادت البلاد إلى أصحابها الحقيقيين، أي الشعب. ويشير القائد الشهيد إلى هذا الإنجاز الذي حققه الإمام الخميني رحمه الله حين حوّل نظام الحكم من حكم فردي استبدادي إلى «حكومة يكون الشعب فيها صاحب الدور الأساس».

وعندما يكون الشعب هو المالك الحقيقي للبلاد، فإن حمايتها من الأخطار تصبح مسؤوليته الأولى. ومن هنا فإن «بعثة الشعب» ليست سوى تجسيد عملي لهذه المسؤولية.

ويرتبط هذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا بروح «نستطيع» التي بثّها الإمام الخميني رحمه الله في الأمة. فالشعب الذي بلغ مرحلة الثقة بالنفس ولم يعد يرى نفسه متخلفًا أو محتقرًا، يصبح قادرًا على حمل هذه الرسالة الكبرى.

ويقتضي هذا الفهم أن يرى الناس أنفسهم دائمًا الحراس الحقيقيين للثورة، وألا ينتظروا المؤسسات الحكومية أو العسكرية وحدها للقيام بالمهمة. وكما ورد في بيانات القائد الشهيد، فعلى الرغم من قيام الأجهزة الأمنية وقوات التعبئة والحرس الثوري بواجباتها، فإن العامل الحاسم كان «نزول الناس إلى الميدان». وهذا يعني أن دور الشعب ليس هامشيًا، بل هو الدور الفاصل والحاسم في حماية أمن البلاد وأساس النظام.

ثالثًا: إقامة الحق ومواجهة «سامريي» العصر

في بيانات القائد الجديد، آية الله السيد مجتبى الخامنئي دام ظله العالي، يتكرر مفهوم «بعثة الشعب» أيضًا. فبالإشارة إلى قصة النبي موسى عليه السلام وغيابه أربعين يومًا وما رافق ذلك من عبادة بني إسرائيل للعجل، يصف الأمة الإسلامية بأنها سلكت طريقًا مختلفًا.

فبعد فقدان القائد، لم تنحرف الأمة ولم تضل، بل على العكس من ذلك «بُعث الناس لإقامة الحق ومواجهة الباطل».

وهذه البعثة تمثل اختبارًا كبيرًا للوفاء والثبات بعد مصيبة عظيمة. فقد أُنيط بالناس أن يقفوا ـ في غياب قائدهم الشهيد ـ كالجبال الراسخة في مواجهة «السامري وعجله»، وهما رمزان لمثيري الفتن والانحرافات الفكرية الداخلية، وأن يكونوا كحمم النار المتدفقة على «المعتدين والفراعنة»، وهم رمز للأعداء الخارجيين وقوى الاستكبار.

ويقتضي هذا البعث الثبات على المبادئ وعدم التزعزع أمام عوامل الانحراف. فهذه المهمة ليست سياسية أو عسكرية فحسب، بل هي رسالة عقائدية وروحية لحماية الحق ومواجهة الباطل بجميع صوره.

كما تستلزم أن يكون الناس، إلى جانب حضورهم الميداني، مسلحين فكريًا وعقائديًا، بحيث يستطيعون التمييز بين الحق والباطل، والدفاع عن أصالة مسار الثورة في مواجهة التحريف والبدع.

رابعًا: التحول إلى القوة الحاسمة والنهائية في المعادلات

تشترك بيانات القائد الشهيد والقائد الجديد في التأكيد على أن «بعثة الشعب» تعني حضور قوة فريدة وحاسمة تنهي الصراع لصالح جبهة الحق.

فالقائد الشهيد يصرح بوضوح: «الناس هم الذين سيحسمون الأمر»، بينما يشبّه القائد الجديد الناس بـ«الحمم الملتهبة» التي تنقض على الأعداء.

وهذا يدل على أن قوة الشعب، في المنظومة الفكرية لهذين القائدين، ليست قوة شكلية أو مصدرًا للشرعية فحسب، بل قوة عملية ومؤثرة في ميدان المواجهة.

فالعدو الذي يخطط للفتن مستخدمًا إمكاناته الاستخبارية كافة، ينتهي به الأمر إلى الهزيمة أمام هذه القوة المبعوثة. ويقتضي هذا الموقع ألا تؤثر تهديدات الأعداء ـ من قبيل «جميع الخيارات مطروحة على الطاولة» أو تحريك الأساطيل العسكرية ـ في إرادة الأمة؛ لأن الأمة التي تبلغ مرحلة «البعث» تتحول من شعب عادي إلى أمة صاحبة رسالة تستند إلى القوة الإلهية في مواجهة مختلف القوى.

وكما يؤكد القائد الشهيد، فإن هذا الثبات يستمر حتى «يُدخل الشعب الإيراني اليأس إلى قلب العدو من خلال ثباته وصبره وسيطرته الكاملة على الأمور». وهذا اليأس لا يتحقق إلا عندما يدرك العدو أن خصمه ليس دولة أو جيشًا فحسب، بل أمة مبعوثة وحاضرة دائمًا في الساحة.

الخلاصة

يبين تحليل رؤى القائد الشهيد والقائد الجديد أن مفهوم «بعثة الشعب» يتجاوز حدود الشعار ليشكل عقيدة استراتيجية لاستمرار الثورة الإسلامية. فهذا المفهوم يمثل ثمرة التفاعل بين الإرادة الإلهية والدور الواعي للأمة، حيث يرتقي الناس من موقع المواطنين السلبيين إلى موقع «الفاعلين المباشرين في المشروع الإلهي».

وبصورة عامة، تعني بعثة الشعب الخروج من دائرة التردد والدخول إلى ميدان إتمام الحجة. ومن مقتضيات هذه البعثة التسلح بالبصيرة لمواجهة الفتن المعقدة، وتعزيز الثقة بالنفس والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن، والثبات أمام الانحرافات الداخلية ـ سامريي العصر ـ والاعتداءات الخارجية ـ الفراعنة الجدد.

وهذا الحضور القائم على التكليف يخلق قوة نهائية وحاسمة لا تكتفي بإفشال الحسابات المادية للعدو، بل تحول «الشعب» إلى «أمة صاحبة رسالة»، بما يحقق الاستقرار ويضمن سلامة مسار الثورة في المنعطفات الصعبة التي تعقب فقدان القادة.

وعليه، فإن «بعثة الشعب» تُقدَّم بوصفها الضامن لبقاء النظام وتطوره في مواجهة أعقد الأزمات والتحديات المستقبلية.

 


الهوامش

(1) للمزيد يُراجع: كلمة الإمام الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي قدّس الله نفسه الزكية في لقائه مع شرائح من الشعب بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية بتاريخ 2/1/2026 م، وكذلك رسالة آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، قائد الثورة الإسلامية، بمناسبة الذكرى الأربعين لاستشهاد القائد العظيم للثورة قدّس الله نفسه الزكية وما يرتبط بالحرب المفروضة الثالثة، بتاريخ 9/4/2026 م.

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

أحكام شرعية | مقدار الربح المجاز في بيع السلع
أحكام شرعية | قوانين المجمع السكني
لماذا لا تُحدث النصائح الحسنة أحيانًا أي تغيير في تربية الأبناء؟
السؤال: هل تعني الآية «لا إكراه في الدين» أن كل عقيدة مباحة وأن الإنسان مطلق الحرية؟
الأحكام الشرعية | تكليف المسلمين عند تعرّض البلاد لغزو

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل