الإجابة عن شبهة روائية؛ هل مرض الطفل كفّارة عن ذنوب الوالدين؟

قد توحي بعض الآيات والروايات، للوهلة الأولى، بمعانٍ تثير التساؤل أو الإشكال، إلا أن التمعّن في مفاهيمها ومقاصدها يمكن أن يقود إلى فهم أكثر دقة، ويجنبنا الوقوع في الاستنتاجات الخاطئة.

تتناول المقالة التالية شبهة «مرض الطفل وكفّارة ذنوب الوالدين»، وتسعى إلى بيان هذه المسألة بصورة أكثر دقة.

تأمل في رواية

قد تبدو هذه الرواية، للوهلة الأولى، غريبة بل وغير عادلة. فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

«فِی الْمَرَضِ یُصِیبُ الصَّبِیَّ، کَفَّارَةٌ لِوَالِدَیْهِ»؛

أي إن المرض الذي يصيب الطفل يكون كفّارة لوالديه. (1)

لكن من هنا تحديدًا نشأت شبهة:

إذا كان الأب والأم قد ارتكبا ذنوبًا، فلماذا ينبغي أن يمرض الطفل؟ أليس من المفترض ألا يتحمل الطفل تبعات ذنوب الآخرين؟

والجواب هو أن هذا الفهم يغفل عن فرق مهم، وهو أن «كون الشيء كفّارة» لا يعني «كونه عقوبة».

فالرواية لا تقول إطلاقًا: «إن الله يعاقب الطفل بسبب ذنوب والديه».

ولا تقول: «كل طفل مرض، فلا بد أن يكون والداه مذنبين».

كما أنها لا تقول: «إن سبب مرض الطفل هو ذنوب والديه».

إنما تقول فقط: إذا أصيب طفل بالمرض والمعاناة، فإن هذه المعاناة يمكن أن تكون بالنسبة إلى والديه ذات صلة بالكفّارة.

وهذا الفرق هو أساس الإجابة عن الشبهة.

لا نخلط بين «الكفّارة» و«العقوبة»

لفهم المسألة بصورة أفضل، ينبغي ألا نخلط بين «الكفّارة» و«العقوبة». فعندما نقول إن شيئًا ما «كفّارة»، فهذا لا يعني بالضرورة أن ذلك الحدث وقع بسبب ذنب معين وبهدف معاقبة شخص ما؛ بل يعني أن الله تعالى يمكن أن يجعل تحمّل المعاناة والمشقة وسيلة لمغفرة بعض الذنوب والتعويض عنها.

فعلى سبيل المثال، لنفترض أن أبًا وأمًا رُزقا بطفل مريض. قد لا يكون الطفل نفسه قد ارتكب أي ذنب أو تقصير؛ لكن الوالدين يواجهان في هذا المسار القلق والرعاية والسهر والتكاليف والصبر وتحمل المعاناة.

وتقول الرواية إن تحمّل هذه المشقة يمكن أن تكون له بالنسبة إلى الوالدين ثواب وآثار معنوية، بل يمكن أن تكون كفّارة عن ذنوبهما.

لذلك لا ينبغي أن نقول:

«لأن الأب والأم ارتكبا ذنوبًا، جعل الله الطفل مريضًا».

بل المقصود هو:

«لقد مرض الطفل، ويمكن لهذا الحدث الصعب، من خلال ما يبديه الوالدان من تحمّل وصبر، أن تكون له آثار معنوية بالنسبة إليهما وأن يكون كفّارة».

وهذان أمران مختلفان تمامًا.

وهناك نقطة أخرى مهمة جدًا، وهي أننا لا ينبغي أن نستخرج من الرواية أكثر مما تقوله. فالرواية لم تقل إن كل مرض يصيب الطفل هو بالضرورة نتيجة ذنوب والديه.

وعليه، إذا مرض طفل، فلا يمكننا أن نقول لوالديه: «لا بد أنكما ارتكبتما ذنبًا تسبب في مرض طفلكما!». فهذا الادعاء لا يمكن استخراجه من هذه الرواية.

بل إن القرآن الكريم يقرر مبدأً عامًا وواضحًا:

«وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَی»؛

أي إن أحدًا لا يحمل وزر غيره. (2)

وعليه، لا يصبح الطفل «مذنبًا» بسبب ذنوب والديه، ولا يمكن اعتبار مرضه عقوبة إلهية على ذنوب والديه.

من أين نشأت الشبهة؟

إن الشبهة نشأت في الواقع من إزاحة المعنى عن موضعه:

«كفّارة للوالدين» تحولت إلى «عقوبة للطفل بسبب والديه».

في حين أن الرواية لا تقول شيئًا من هذا القبيل.

وحتى لو أردنا تبسيط المسألة إلى أقصى حد، فيمكن بيانها على النحو الآتي:

مرض الطفل = معاناة تصيب الطفل.

تحمّل هذه المعاناة وتبعاتها = يمكن أن يكون بالنسبة إلى الوالدين كفّارة وسببًا للثواب.

وليس الأمر على النحو الآتي:

ذنوب الوالدين ← الله يعاقب الطفل.

فهذا الاستنتاج الثاني لا يمكن إثباته من نص الرواية.

وبناءً على ذلك، فإن هذه الرواية لا تقول إن الطفل مذنب، ولا تقول إن الله تعالى يعاقب البريء بسبب ذنب شخص آخر، ولا تبيح لنا أن ننسب كل مرض يصيب طفلًا إلى ذنوب والديه.

إن مضمون الرواية ليس إرجاع مرض الطفل إلى ذنوب الوالدين، وإنما الحديث عن أن معاناة غير مقصودة يمكن أن تتحول في حياة الوالدين إلى فرصة للتعويض والصبر والكفّارة.

ولعل هذه هي النقطة الأساسية في الإجابة عن الشبهة: الرواية لم تقدّم «مرض الطفل» بوصفه عقوبة للوالدين، وإنما تحدثت عن أن «تحمّل هذه المعاناة» يمكن أن يكون كفّارة للوالدين.


الهوامش
  1. الكافي، ج 6، ص 52.
  2. سورة فاطر، الآية 18.

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السٶال/ سورة يوسف، آية 83، صفحة 245 (( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )) ....
لماذا نقرأ برواية حفص الكوفي؟ دراسة في أسباب اشتهارها وبعض خصائصها
السؤال: ماذا يعني مفهوم الردّة والإرتداد، وما هو حكمه وأنواعه؟
السؤال: ورد في رواية منقولة عن امير المؤمنين عليه السلام قال (ع): "قُلتُ: اللّهُمَّ لا تُحوِجني إلى أحَدٍ مِن خَلقِكَ، فَقالَ رَسولُ اللّهِ (ص): يا عَلِيُّ لا تَقولَنَّ هكَذا، فَلَيسَ مِن أحَدٍ إلّا وهُوَ مُحتاجٌ إلَى النّاسِ. فَقُلتُ: يا رَسولَ اللّهِ فَما أقولُ ؟ قالَ: قُل: اللّهُمَّ لا تُحوِجني إلى شِرارِ خَلقِكَ. قُلتُ: يا رَسولَ اللّهِ، ومَن شِرارُ خَلقِهِ ؟ قالَ: الَّذين إذا أعطَوا مَنّوا، وإذا مَنَعوا عابوا" ألا يعني هذا الخطأ من الامام أمير المؤمنين "عليه السلام" مخالف لعصمته وإمامته، فحسب ما ورد في الرواية ان الامام "ع" أخطأ في الدعاء وصحَّحَّ له الرسول (ص) وهل هذا منطقي ؟
السيدة رقية (عليها السلام)؛ من التشكيكات التاريخية إلى الشواهد الموثوقة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل