بقلم “أ. د فرح موسى”؛ رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية في لبنان
وهكذا، فإن التأسيس لموضوع السلام ينطلق من حقائق تكوينية وتشريعية تدعونا إلى التدبر بها، بحيث نعي أن الله خلق الجن والإنس ليعبدوه، وقد هداهم إلى ما يجعلهم مؤهلين إلى تحقيق السلام، إذ مهّد لهم الأرض وجعلها صالحة للمعايش، وأمرهم بالإصلاح فيها بما يحقق لهم الأمن والسلام.
فإذا كانت الغاية من الخلق أن نعبد الله ونعرفه، فلا أقل من أن يتنبّه الإنسان إلى ما أعد له من تمهيدات في طريق هذه المعرفة، حيث قال تعالى:”هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..”.وقال تعالى:”وأنبتنا فيها من كل شيء موزون:”فهذه هي الأرض التي أريد للإ.نسان أن ينعم بكل خيراتها لتكون له المفازة في حق المعرفة بالأثار الموصلة الى الله تعالى.
هذا فيما يتعلق بالتمهيد لعمارة الأرض والسير فيها بعد أن جعلت ذلولاً، فلا يعقل أن لا يكون السلام طريقاً للفوز بها، وقد قال تعالى: “ونعم الماهدون..”. فالسلام هو الذي يوفر الحياة الآمنة لعمارة الأرض، والسير فيها، والمشي في مناكبها لتكون مثار هداية ومعرفة واعتبار، وقد جاء التشريع ليخدم السلام في إطار رؤية متكاملة عن خلق الإنسان وتكليفه حيث قال الله سبحانه وتعالى: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها..”
فالقرآن الكريم يدعو إلى السلام، وقد سمى الجنة بدار السلام، وبعث بالرسول الأعظم(ص) والرسالة ليهتدي العباد الى سبل السلام، ما يؤكد لنا أن الحرب ليست إلا أمراً ثانوياً قد تفرضه ضرورات الحفاظ على صلاح العباد والبلاد، خلاف ما يذهب إليه المفسدون من اعتبار الحرب أسلوباً أخر من أساليب السياسة لتسجيل نقاط أو لتحقيق غايات عجزت السياسة عن تحقيقها!
فالحرب في منطق القرآن هي ضرورة دفعية لمنع الفساد والإفساد في الأرض، وهي غير مسوغة إطلاقاً لتحقيق غلبة دينية أو سياسية، وكل الحروب التي حصلت تحت عناوين دينية ليس لها أي أساس قرآني، وذلك لما هو معهود في عرف القرآن من وجود مشروعية إلهية لكل مكون ديني خاطبه القرآن.
وإذا كانت الأمة الإسلامية قد أخفقت في متابعة خطى الرسول(ص) في تأسيساته العملية، فذلك لا يحمِّل القرآن مسؤولية ما لحق بالعالم من انهيارات جراء الحروب والمنازعات الدينية، فهذا أمر تقع مسؤوليته على من تزعم الدين ليفوز بالدنيا…!؟
نعم، فلننظر الى حوزاتنا وجامعاتنا، ومدارسنا العلمية لنرى كيف أنه لم يبق من الإسلام إلا أحاديث يعرف العلماء أنها من مبثوثات الشياطين، ويتم اعتمادها في التأسيس لنظريات الإسلام، واستنباط أحكام الدين! فها نحن نخوض غمار أصول الكافي والوسائل وصحيح مسلم وصحيح البخاري دون أن نسمع لقول الرسول(ص):”اذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن…”، نحن نزعم أن ما بين أيدينا ليس قرآناً، ولا سنةً نبوية! فيا أسفاً على القرآن الغريب والمهجور إلا عن جنائز الموتى! ما جعل الأمة قديماً وحديثاً، أسيرة الأحزاب والمذاهب المتناقضة فيما بينها، والعاجزة عن تحقيق السلام، نظراً لما بين أيديها من مشاريع حرب طائفية ومذهبية! وهنا نسأل كيف يمكن لهذه المذاهب والفرق أن تخاطب الغرب والشرق بالسلام، وهي عاجزة عن صناعته لنفسها؟
إن السلام العالمي المنشود، هو خيار إسلامي(قرآني) بيّن القرآن كامل شروطه وأهدافه،و يعوزه فقط الفهم الدقيق للبيان القرآني،بعيداً عن المذهبية والحزبية ،لأن هذه الأوبئة جاءت على النقيض من عالمية الإسلام! وهذا ليس موقفاً سلبياً بقدر ما هو معطى موضوعي كان له أكبر الأثر في تخلف العالم الإسلامي وانقساماته! ومن هنا نرى ضرورة لإعادة النظر بما هو موروث لعل ذلك يمكّننا من إعادة تقييم الموقف،فنختار السلام القرآني كما أراده الله تعالى ورسوله. والسلام.





