إذا كان النبي الأكرم (ص) أمّيًا، فكيف سلّمته السيدة خديجة (س) إدارة قافلتها التجارية؟

ماذا يعني تعبير «النبي أمّي» على وجه الدقة؟ إذا كان المقصود بـ«الأمّي» عدم معرفة القراءة والكتابة، فإن قصة تجارة النبي (ص) وثقة السيدة خديجة (س) به تثير عدداً من النقاط الجديرة بالتأمل.

 

يتناول هذا المقال الشبهة القائلة: كيف ينسجم وصف النبي (ص) بالأمّي مع ممارسته التجارة وتولّيه إدارة قافلة تجارية؟

قبل كل شيء، ينبغي الإشارة إلى أن لفظ «الأمّي» ورد له معنيان: الأول، أنه منسوب إلى «الأم»، أي الشخص الذي لم يتعلم القراءة والكتابة، كما كان حاله يوم ولدته أمه؛ والثاني، أنه منسوب إلى «أمّ القرى»، أي مكة.

والمعنى الأول هو الأشهر، وهو الأكثر انسجاماً مع الاستخدامات القرآنية، ولا سيما التعبير:

«لَا یَعْلَمُونَ الْکِتَابَ»

وبناءً على ذلك، ينبغي القول إن وصف النبي (ص) بالأمّي لا يصح أن يُفهم بالضرورة على أنه عجز عن القراءة والكتابة؛ فهناك فرق بين «عدم القراءة والكتابة» و«العجز عن القراءة والكتابة».

ويصف القرآن الكريم النبي الأكرم (ص) بأنه:

«النَّبِیَّ الْأُمِّیَّ»

ويقول:

«وَ مَا کُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن کِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِیَمِینِکَ»

أي إنك لم تكن تقرأ كتاباً قبل نزول القرآن، ولم تكن تكتب بيمينك.

والنقطة الجديرة بالانتباه هنا أن الآية تتحدث عن عدم ممارسته القراءة والكتابة، ولا تنص بالضرورة على عجز النبي (ص) عن القيام بهما.

وقد صرّح الشيخ الطوسي، في تفسير هذه الآية، بأن الآية لا تقول إن النبي (ص) كان عاجزاً عن القراءة والكتابة، وإنما تفيد أنه لم يكن يفعل ذلك قبل نزول القرآن، ولم يكن معتاداً على القراءة والكتابة.¹ ويرى العلامة الطباطبائي أيضاً أن هذا الفهم أكثر انسجاماً مع ظاهر الآية.²

ومن جهة أخرى، حتى لو أخذنا «الأمّي» بمعنى عدم القراءة والكتابة، فإن ذلك لا يتعارض بأي حال مع القدرة على الإدارة والتجارة والحساب والتفاوض والتمييز بين الربح والخسارة.

فالتجارة في ذلك العصر لم تكن تعتمد على المعرفة بالقراءة والكتابة وحدها، بل كانت الخبرة، وحسن التقدير، والأمانة، والقدرة على الإدارة، من أهم مقوماتها.

بل إن ثقة السيدة خديجة (س) بالنبي الأكرم (ص) كانت قائمة، في الأساس، على ما عرفته عنه من الأمانة والصدق وحسن التدبير والقدرة على الإدارة؛ وهي صفات عُرف بها النبي (ص) حتى قبل بعثته.

والأهم من ذلك أن أمّية النبي (ص) لا تعني حرمانه من العلم والكمال. فهناك، في الأساس، فرق جوهري بين «عدم التعلّم على يد أستاذ أو في مدرسة بشرية» وبين «انعدام العلم والقدرة».

فالنبي الأكرم (ص) تلقى علومه وكمالاته من خلال العناية والتعليم الإلهيين، وهو ما يندرج في إطار البحث المتعلق بـ«العلم اللدني».

وفضلاً عن ذلك، فإن المعرفة بالقراءة والكتابة تُعد في حد ذاتها نوعاً من الكمال، ولا يمكن ـ وفق هذا الطرح ـ اعتبار النبي (ص) محروماً من مثل هذا الكمال؛ إذ إنه اكتسب جميع كمالاته بعناية الله تعالى، ومن ثم فإن حرمانه من مثل هذا الكمال، وهو النبي الذي يمثل مظهراً للكمالات الإلهية، يُعد في حد ذاته نقصاً.

إن ما نُفي عن النبي (ص) هو سبق تعلّمه على يد أساتذة بشريين، وكذلك القراءة والكتابة قبل البعثة؛ وليس تمتّعه بالعلم والكمالات التي وهبه الله تعالى إياها.

وبناءً على ذلك، فإن الشبهة القائلة: «إذا كان النبي (ص) أمياً، فكيف سلّمته السيدة خديجة (س) إدارة قافلتها التجارية؟» تقوم على افتراض غير صحيح، وكأن «الأمّية» تعني بالضرورة العجز عن الإدارة والحساب، في حين لا توجد ملازمة بين الأمرين.

فقد يكون النبي (ص) أميناً ومدبراً وكفؤاً لإدارة تجارة ما، من دون أن يتعارض ذلك مع وصفه بالأمّي.

ومن جهة أخرى، إذا كان المقصود بالأمّية عدم القراءة والكتابة قبل البعثة، فإن هذه الصفة تُعد، وفق هذا الطرح، إحدى النقاط المهمة في الاستدلال على المصدر الإلهي للقرآن؛ إذ إن النبي الذي لم يتلقَّ تعليماً على يد أستاذ بشري، ولم يقرأ كتاباً أو يكتب قبل ذلك، جاء إلى البشرية بكتاب يتسم بهذا العمق والعظمة.

وتُثار الشبهة نفسها بشأن معرفة النبي (ص) بالشعر العربي، في حين أن معرفة الشعر، بل وحتى حفظ أبياته، لا تستلزم القراءة والكتابة.

ففي المجتمع آنذاك، حيث كان الشعر ينتقل في الغالب شفاهاً، كان حفظ الأشعار عن طريق السماع أمراً طبيعياً تماماً.

ومن جهة أخرى، فإن القرآن الكريم لا يصف النبي (ص) بأنه شاعر، بل يقول:

«وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا یَنبَغِی لَهُ»

وعليه، فإن معرفة بعض الأشعار أو نقل بعض أبياتها لا تتعارض مع أمّية النبي (ص)، ولا يمكن أن تكون دليلاً على كونه شاعراً.

 


الهوامش

1. التبيان في تفسير القرآن، الطوسي، محمد بن الحسن، تحقيق: أحمد قصير العاملي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، دون تاريخ، ج 8، ص 216.

2. الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، السيد محمد حسين، إنتشارات إسلامي، قم، 1417هـ، الطبعة الخامسة، ج 16، ص 139.

3. مقتبس من كتاب: علوم قرآني، معرفت، محمد هادي، مؤسسة التمهيد الثقافية للنشر، قم، 1381هـ ش، ص 32.

4. سورة يس، الآية 69.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

خمس مسائل فقهية محورية في البقاء على تقليد الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي
الجذور الدينية للمثل المعروف "عذرٌ أقبح من الذنب"
أحكام شرعية | القرض بشرط الاقتراض
السؤال: نلتقي أحيانًا بأشخاص يقومون بالكثير من أعمال الخير؛ يبنون المستشفيات، يشيّدون المدارس، يساعدون المحتاجين، ثم يقولون: «أنا أؤمن بالله وحده، ولا أؤمن بالنبي ولا بأهل البيت.» بل وربما يقول بعضهم: «أنا أصلًا لا أؤمن بالدين، وكل ما أفعله بدافع الإنسانيّة فقط.» ويُطرح هنا السؤال: هل يكون مصير مثل هذا الإنسان حسنًا في النهاية؟
كيف يمكن الرد على هذا الكلام من الإمام عليه السلام وهو العارف بالقران الكريم فهل يمكن أن يحتج على حقه في هداية الناس بهذه الطريقة وكذلك الكلام عن الإمام الصادق عليه السلام عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال : ( في قول الله عز وجل {و الشُعَراء يَتّبعهُم الغاوون} ، قال: هل رأيت شاعراً يتبعه أحد إنما هم قوم تفقهوا لغير الدين فضلوا وأضلوا ) عن الإمام الصادق (عليه السلام ) أنه قال : ( في قول الله عز وجل {و الشُعَراء يَتّبعهُم الغاوون} ، قال: قال : نزلت في الذين وضعوا بآرائهم فتبعهم الناس على ذلك .( وسائل الشيعة)كيف يمكن الرد على هذا الكلام من الإمام عليه السلام وهو العارف بالقران الكريم فهل يمكن أن يحتج على حقه في هداية الناس بهذه الطريقة وكذلك الكلام عن الإمام الصادق عليه السلام عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال : ( في قول الله عز وجل {و الشُعَراء يَتّبعهُم الغاوون} ، قال: هل رأيت شاعراً يتبعه أحد إنما هم قوم تفقهوا لغير الدين فضلوا وأضلوا ) عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال : (هم قوم تعلموا وتفقهوا بغير علم فضلوا وأضلوا كثيراً) (تأويل الآيات

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل