يُعدّ سؤال الملائكة في مواجهة الأمر الإلهي بخلق الإنسان من المباحث القرآنية التي أثارت إشكالات متعددة؛ ويستعرض هذا البحث، من خلال نظرة إلى تفاسير الفريقين، أهم آراء المفسرين في تفسير سبب علم الملائكة بفساد الإنسان وسفكه للدماء.
كان الملائكة، اعتمادًا على تجربتهم مع سكان الأرض الفاسدين من قبل، ومعرفتهم بطبيعة عالم المادة المليء بالتزاحم وبالغرائز الإنسانية، على علم باحتمال وقوع الإنسان في الفساد.
السؤال:
من أين علم الملائكة، قبل خلق الإنسان، أن الإنسان سيكون مفسدًا وسفّاكًا للدماء؟ (البقرة: 30)
الجواب:
وفقًا لآيات القرآن الكريم، عندما أخبر الله تعالى الملائكة أنه يريد أن يخلق آدم ويجعله خليفة له في الأرض، قال الملائكة لله تعالى: لماذا، مع وجودنا نحن الذين نسبّحك ونقدّسك، تريد أن تجعل في الأرض موجودًا يفسد فيها ويسفك الدماء؟
قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (1).
ونحن في هذا البحث بصدد الإجابة عن السؤال: من أين علم الملائكة أن البشر سيفسدون ويسفكون الدماء في المستقبل؟
آراء المفسرين في منشأ علم الملائكة بمستقبل الإنسان
طرح المفسرون أقوالًا مختلفة حول كيفية علم الملائكة بأن الإنسان سيلجأ إلى الفساد وسفك الدماء في الأرض:
1. المقصود بالملائكة في الآية جماعة من الجن
ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالملائكة في هذه الآية جماعة من الجن، وكان إبليس من بينهم. وكان هؤلاء قد عاشوا في الأرض قبل الإنسان، ولم يكونوا مأمورين بالعبادة؛ ولذلك عندما علموا أن الله تعالى يريد أن يجعل الإنسان بديلًا عنهم، وأن عليهم العودة إلى السماء والاشتغال بعبادة الله، حزنوا وحاولوا أن يصرفوا الله عن هذا الأمر (2).
غير أن القول بأن المقصود بـ«الملائكة» جماعة من الجن يخالف ظاهر الآية.
2. تجربة سكان الأرض السابقين
خلق الله تعالى، قبل خلق آدم بسبعة آلاف سنة، الجن ومخلوقًا يُسمّى «النَّسناس» في الأرض، وكانوا قد أفسدوا فيها وسفكوا الدماء.
ولذلك، عندما قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، كان لدى الملائكة تصور سابق عن سكان الأرض الذين عاشوا فيها من قبل، وكانوا يعلمون أنه لا شيء أسوأ عند الله من الفساد وسفك الدماء؛ فأشاروا إلى هذين الأمرين وطلبوا من الله ألا يجعل الإنسان خليفة له في الأرض (3).
وقد وردت الإشارة إلى هذا الأمر في روايات عند الشيعة وأهل السنة.
3. إخبار الله تعالى الملائكة بذلك
ذهب بعض المفسرين إلى أن الله تعالى نفسه أخبر الملائكة بأن الإنسان سيفسد في المستقبل ويسفك الدماء (4).
ووفقًا لبعض التفاسير، فإنه بعد أن خلق الله تعالى جهنم، سأل الملائكة عن سبب خلقها، فأخبرهم الله أنها أُعدّت لمن يعصيه. فظن الملائكة أن بعضهم قد يفعل ذلك، فخافوا، ثم أخبرهم الله أنه يريد خلق الإنسان (5).
4. علم الملائكة بما هو مثبت في اللوح المحفوظ
ذهب بعض المفسرين إلى أن مصير الإنسان وخصائصه كانت مثبتة في اللوح المحفوظ، وأن الملائكة، من خلال اطلاعهم على ذلك، علموا أن هذا المخلوق سيرتكب الفساد ويسفك الدماء (6).
5. استنباط الملائكة ذلك من طبيعة الإنسان المادية ومن مفهوم «الخليفة»
أخبر الله تعالى الملائكة أنه سيخلق الإنسان من صلصال من حمإ مسنون، فاستنتج الملائكة من هذه الخصائص المادية للإنسان أنه مهيأ للصراع والفساد وسفك الدماء.
كما أن الملائكة فهموا من تعبير «خليفة» أن البشر يحتاجون إلى موجود يحكم بينهم، ويرفع عنهم الظلم، ويمنعهم من المعصية والتعدي؛ ولذلك سيقع بينهم النزاع والظلم والفساد (7).
6. معرفة الملائكة بتركيب الإنسان من العقل والغرائز
أخبر الله تعالى الملائكة أن الإنسان كائن عاقل، لكنه إلى جانب العقل يمتلك الرغبات والميول النفسية.
وكان الملائكة يعلمون أنه إذا غلبت هذه الميول على عقل الإنسان، فستكون النتيجة الفساد وسفك الدماء (8).
كما فهم الملائكة من تعبير ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أن الإنسان سيكون موجودًا أرضيًا وماديًا، وكانوا يعلمون أن الحياة في العالم المادي تقترن بمحدودية الموارد، وأن هذه المحدودية تهيئ الأرضية للتنافس وتعارض المصالح والصراع.
ومن جهة أخرى، يمتلك الإنسان نزعة إلى الاستزادة والطمع، فإذا لم تقترن هذه النزعة بالشعور بالمسؤولية والالتزام الأخلاقي، فإنها تؤدي إلى الفساد والنزاع وسفك الدماء (9).
النتيجة:
أشار المفسرون، في بيان كيفية علم الملائكة بأن الإنسان الذي سيخلقه الله تعالى في الأرض سيكون مفسدًا وسفّاكًا للدماء، إلى أسباب متعددة:
- أن الله تعالى أخبرهم بنفسه بذلك سابقًا، عند خلق جهنم.
- أن الملائكة، من خلال اطلاعهم على اللوح المحفوظ، علموا بذلك.
- أن الملائكة استنتجوا ذلك من كون الإنسان مخلوقًا ماديًا، ومن امتلاكه الشهوة والغضب.
- أن «الخليفة» هو من يمنع الفساد والنزاع، ومن ثم فهم الملائكة من هذا التعبير الإلهي شيئًا عن مستقبل البشر.
- أن الملائكة كانوا يعلمون أن مقتضيات الحياة في «الأرض» أو العالم المادي تؤدي إلى التزاحم والتعارض، فعلموا بذلك أن الفساد وسفك الدماء سيقعان، ولا سيما مع وجود سكان سابقين للأرض أفسدوا فيها وسفكوا الدماء.
ويبدو أنه يمكن الجمع بين بعض هذه الأقوال، فنقول: وفقًا للروايات، خلق الله تعالى قبل آدم موجودات أخرى في الأرض، وقد أفسدت فيها وسفكت الدماء.
فإذا قبلنا هذه الروايات، فيمكن القول إن الملائكة، انطلاقًا من معرفتهم السابقة بسكان الأرض، كانوا على يقين من أن الإنسان سيصل إلى العاقبة نفسها.
وإذا أخذنا بهذه الروايات، فينبغي القول إن الملائكة، بالنظر إلى معرفتهم بالأرض، وبحسب تعبير بعض المفسرين، بمعرفتهم بـ«العالم المادي» ولوازمه، وكذلك بحقيقة الإنسان، كانوا يعلمون أن هذا العالم، بسبب محدودية الموارد وتعارض المصالح، هو بطبيعته بيئة للتزاحم، وأنه يوفر الأرضية اللازمة لوقوع الإنسان، بما لديه من غضب وشهوة، في الفساد وسفك الدماء.
الهوامش:
1. البقرة: 30.
2. مقاتل بن سليمان؛ تفسير مقاتل بن سليمان؛ بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1423هـ، ج1، ص96. التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام؛ قم: مدرسة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، 1409هـ، ج1، ص216.
3. علي بن إبراهيم القمي؛ تفسير القمي؛ تحقيق: طيب موسوي الجزائري؛ الطبعة الثالثة، قم: دار الكتاب، 1363هـ، ج1، ص37. هود بن محكم الهواري؛ تفسير كتاب الله العزيز؛ الجزائر: دار البصائر، 1426هـ، ج1، ص95. محمد بن مسعود العياشي؛ تفسير العياشي؛ طهران: المكتبة العلمية الإسلامية، 1380هـ، ج1، ص29 و31.
4. عبد الرزاق بن همام الصنعاني؛ تفسير القرآن العزيز المسمى تفسير عبد الرزاق؛ بيروت: دار المعرفة، 1411هـ، ج1، ص65. عبد الله بن مسلم ابن قتيبة؛ تفسير غريب القرآن؛ بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1411هـ، ج1، ص45.
5. عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي؛ زاد المسير في علم التفسير؛ بيروت: دار الكتاب العربي، 1422هـ، ج1، ص50.
6. محمد بن علي الأشکوري؛ تفسير شريف لاهيجي؛ طهران: دفتر نشر داد، 1373هـ ش، ج1، ص29.
7. جمال الدين القاسمي؛ تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل؛ بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1418هـ، ج1، ص285.
8. محمد أبو زهرة؛ زهرة التفاسير؛ بيروت: دار الفكر العربي، [د.ت]، ج1، ص195.
9. ناصر مكارم الشيرازي وجماعة من المؤلفين؛ تفسير نمونه؛ الطبعة العاشرة، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1371هـ ش، ج1، ص173.