إن قضية حقوق المرأة وسعيها إلى الوصول إلى حقوقها لها تاريخ طويل، إلا أن الحركة النسوية المطالبة بالمساواة، والمعروفة باسم «النسوية» (Feminism)، تعود، بصورتها المنظمة والمعروفة، إلى أكثر من مئة وخمسين عاماً. وإذا أردنا البحث عن جذورها، فيمكن القول إن الحركة النسوية هي، في أصلها، ثمرة من ثمار عصر النهضة، وقائمة على رؤية العالم الغربي الحديث المتمحورة حول «الإنسانوية» (Humanism). وبما أن الإنسان المادي والأرضي، في الرؤية الإنسانوية، هو الموضوع الوحيد الجدير بالاهتمام والبحث، فإن جميع الاتجاهات النسوية تقوم على افتراض مسبق مفاده أن الإنسان هو مصدر التشريع، وأنه غير محتاج إلى هداية الوحي؛ ومن ثم فإن أياً من الاتجاهات النسوية لا يقبل بالرجوع إلى الوحي أو الإيمان بحاكمية الدين في الشؤون الاجتماعية.
ومع وجود اتجاهات مختلفة للنسوية، نشأت من مدارس فكرية وعقدية وسياسية واقتصادية متعددة، فقد أضيف في العقود الأخيرة مصطلح «النسوية الإسلامية» إلى هذه الاتجاهات. والسؤال المطروح هو: هل يمكن الجمع بين الاتجاهات النسوية والإيمان بالإسلام والشريعة الإلهية؟ وهل يمكن للإنسان أن يكون نسوياً ومسلمًا في الوقت نفسه؟
ولعل من الممكن القول إن النسوية الإسلامية تأثرت إلى حد ما بالنظريات ما بعد الحداثية، إذ يشترك الطرفان في الاستناد إلى النسبية الثقافية، أي إن كل مجتمع ينبغي أن يقدم إجابات عن قضاياه ضمن إطاره الثقافي الخاص.³ وبما أن النسويات، على اختلاف اتجاهاتهن، يشتركن في الإيمان بمبدأ المساواة، فإنهن يضطررن إلى تفسير الإسلام ونصوصه الدينية بطريقة تجعلها منسجمة مع هذا المبدأ. وهذا ما يظهر أيضاً في كتابات النسويات الإسلاميات.
وتقول البروفيسورة مارغريت بدران في مقابلة حول هذا الموضوع: «النسوية الإسلامية هي فكرة توعوية تقوم على إعادة قراءة القرآن وإعادة فحص الكتابات الدينية، وتقول إن الرجال والنساء متساوون في الحقوق، وتطالب الناس بالعمل بذلك».
وبما أن كثيراً منهن يعتبرن لفظي «المساواة» و«التشابه في الحقوق» مترادفين ومتساويين في المعنى، فإنهن يواجهن في القرآن الكريم آيات تتعارض مع هذه الفكرة، مثل الآيات المتعلقة بإرث الذكر والأنثى، أي البنت والابن والمرأة، وكذلك الآيات التي تتحدث عن قوامية الرجل، مثل قوله تعالى: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ»، والتي يمكن الاستناد إليها في إثبات رئاسة الزوج وإشرافه على الأسرة.
ومن هنا يطرح هؤلاء مسألة إعادة قراءة هذه الآيات، والنظر في زمن نزولها والظروف الاجتماعية السائدة آنذاك، وكذلك تفسير ألفاظها بطريقة تتوافق مع أفكارهم، غافلين عن أن الدين الإسلامي جاء ناسخاً ومكملاً لجميع الأديان الإلهية، وأن أحكامه قابلة للتطبيق إلى قيام الساعة وفي كل مجتمع وفي كل زمان:
«حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَرَامُهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
ويرى هؤلاء أن العقل وحده هو المعيار في فهم آيات القرآن، في حين أن آيات مثل:
«فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»
تدعونا إلى تلقي تفسير القرآن من العارفين به. وهذا هو المعنى الذي تشير إليه الرواية المشهورة والمتواترة:
«إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
ولا يخفى على أي باحث مسلم، بل حتى على غير المسلم الذي يبحث في آيات القرآن، أن فصل المفسرين الحقيقيين للقرآن عن القرآن نفسه ليس إلا محواً للقرآن؛ لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى قراءات غير معصومة للقرآن، قد تتعارض فيما بينها تعارضاً تاماً.
ومن هنا، فإن الاستعانة بأهل البيت (عليهم السلام) والاستفادة من أحاديثهم ورواياتهم هي الطريق الوحيد في هذا المجال، وللاستفادة من هذه النعمة مناهج خاصة ينبغي اتباعها. ولا شك أن فهم الروايات والوقوف على صحتها وسقمها يتطلب معرفة علوم من قبيل الأدب، وأصول الفقه، وعلم الرجال، وعلم الدراية وغيرها، وهي أمور لا يتيسر تحصيلها لكل شخص. وهذا هو سر توصية أئمة الدين لنا بالرجوع إلى المتخصصين وعلماء الإسلام.
ومن نتائج الانفصال عن المفسرين الحقيقيين للقرآن والابتعاد عن الاجتهاد المتجدد، أن يقال إن القرآن نزل في مجتمع ذكوري، ولذلك خاطب الرجال في أغلب المواضع. في حين أننا نعلم أن خالق الوجود، مع مراعاة الجوانب المختلفة في وجود كل من الرجل والمرأة، ومع الالتفات إلى خصائصهما وسماتهما، وضع لكل منهما حقوقاً قد لا نستطيع إدراك حكمتها بعقولنا.
ففي منطق القرآن، لا يعني التشابه المساواة، ولا يتطابقان. نعم، منح القرآن الرجل والمرأة حقوقاً متساوية، لكنه لم يمنحهما حقوقاً متشابهة؛ لأن التشابه في الحقوق قد يكون، في بعض الحالات، من مصاديق الظلم، في حين أن الله تعالى حكيم وعين العدل والعدالة.
ونحن نعلم جيداً أن الله تعالى، في المواضع المتعلقة بالتقدم في الأمور المعنوية والكمال الإنساني، استخدم تعابير مثل «يَا أَيُّهَا النَّاسُ» و«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»، كما في الآية الأولى من سورة النساء والآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات.
لكن القرآن نفسه أقرّ صراحةً قوامية الرجل على المرأة، وكذلك كون نصيب الرجل من الإرث ضعف نصيب المرأة في بعض الموارد. وهذا أمر لا يمكن تبريره إلا بقبول حقيقة أن الله تعالى حكيم وعادل، وأنه، بالنظر إلى مجموع حقوق الرجل والمرأة والواجبات والتوقعات المترتبة عليهما، قد قرر لهما في مجموع الأمر حقوقاً متساوية، وإن كان من الممكن ألا نفهم هذه المساواة إذا نظرنا إلى كل حكم على حدة.
وإذا تأملنا جيداً، أدركنا أن ما دفع بعض المسلمين إلى الميل نحو النسوية واختيار «النسوية الإسلامية» هو تأثرهم، ولو جزئياً، بالغرب. في حين أننا نعلم أن هناك فرقاً كبيراً بين الدين الذي اخترناه والدين الذي اختاروه.
فديننا دينٌ محفوظ من التحريف بنص القرآن الصريح، ولم تكن لغير الله القدرة على التصرف فيه، في حين أن النصوص الدينية الموجودة في الغرب ليست، بحسب هذا الطرح، إلا نصوصاً تعرضت للتحريف واختلطت بما صنعه الإنسان واكتشفه. ولذلك لم يجدوا سبيلاً ـ في نظرهم ـ إلا اختيار روح الدين وجوهره، للوصول، بحسب تصورهم، إلى حقيقة الدين. ومن هنا أصبح كل شخص يعتبر فهمه الخاص ديناً، في حين أن الوصول إلى روح الدين وحقيقته يتطلب، أولاً، قدراً رفيعاً من قداسة الروح ونقائها، وثانياً، معرفة مناهج خاصة لفهم الدين، وهي مناهج لا يتيسر لكل شخص الوصول إليها.
ولا شك أن الوصول إلى الحقيقة وإلى مراد الله والدين يبدأ، في المقام الأول، بالرجوع إلى الكتاب الذي أنزله الله لهداية البشر. وبما أن الكتاب السماوي للمسلمين، أي القرآن الكريم، قد وصل إلينا كما أنزله خالق الوجود، فإنه يمكننا بالرجوع إليه معرفة الأحكام والواجبات العملية والأخلاقية وغيرها.
وإلى جانب ذلك، فإن السنة النبوية وروايات أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير ما أُجمل علينا من ذلك الكتاب الشريف تمثل سبيلاً هادياً، وتشكّل المنهج الثاني الذي يعيننا على الوصول إلى الأحكام الإلهية؛ لأن تفسير القرآن الكريم وفق الرأي الشخصي، وهو ما يُعرف بـ«التفسير بالرأي»، ليس إلا وجهة نظرنا الشخصية، ونسبتها إلى الله تعالى نسبة غير صحيحة ولا جائزة.
ثم يأتي الإجماع والاتفاق لدى الأمة الإسلامية بوصفهما طريقاً للوصول إلى رأي الله تعالى والمعصومين (عليهم السلام)، وإلى جانب ذلك يأتي العقل مصدراً يكشف لنا عن رأي الشارع المقدس.
إن ما أبعد كثيرين عن حقيقة الدين هو النظر إلى العقل بوصفه حاكماً ومولياً، إذ إن من يرى العقل حكماً وقاضياً نهائياً قد ينتهي إلى اعتبار استنتاجاته التي توصل إليها بواسطة العقل ديناً، في حين أن النقطة الدقيقة هنا هي أن العقل له وظيفة الكشف، لا وظيفة المولوية والحاكمية؛ ولذلك، إذا لم يوصلنا العقل إلى رأي الشارع ومؤسس الشريعة، فلا تكون له حجية أو دلالة في هذا المجال.
وخلاصة القول: إن الطريق الوحيد إلى سعادة المجتمعات الإسلامية وفلاحها هو الاعتماد على هويتها الدينية، وعدم تقليد الآخرين، والالتزام بأحكام الإسلام النورانية، حتى وإن لم نستحسنها في ظاهرها؛ ذلك أن خالق الوجود أعلم من الجميع بمختلف جوانب مخلوقاته، ولأنه حكيم وعادل، فإنه لا يمنح الإنسان إلا ما يناسبه ويليق به.
وإذا بلغنا هذه المرحلة، فسوف نصل، من دون أدنى شك، إلى الطمأنينة الكاملة، وبدلاً من أن نصرف أوقاتنا الثمينة في أمور وهمية، سنكرّس جهودنا ومساعينا في سبيل الوصول إلى الكمال والسعادة الأبدية.