كيف نحمي أبناءنا من تأثير البيئات السلبية؟

يتطلب الحد من الآثار الضارة للبيئة في تربية الأبناء مقاربة متعددة الجوانب، تشمل إصلاح البيئة، وتعزيز القدرات الداخلية لدى الطفل، والإشراف المنسق على تفاعلاته ووسائل الإعلام.

السؤال:

ما السبل المقترحة للحد من تأثير البيئات السلبية في تربية الأبناء؟

الجواب:

تؤدي البيئة المحيطة دورًا حاسمًا لا يمكن إنكاره في تربية الأبناء؛ ومن ثم ينبغي أن تكون جودة البيئات التربوية والأضرار المحتملة الناجمة عنها من أبرز اهتمامات الوالدين والمربين. ويتناول السؤال المطروح سبل الحد من تأثير البيئات السلبية في تربية الأبناء، وفيما يلي مجموعة من النقاط في هذا الشأن.

النقطة الأولى: تنقية البيئة وإصلاحها

ينبغي أن تكون البيئة التربوية خالية من العوائق التي تحول دون النمو الأخلاقي والمعنوي. ومن ثم، يجب أن يكون تطهير البيئة من العوامل المدمرة وإصلاحها من أبرز اهتمامات المسؤولين والمعنيين بالشأن التربوي.

ونظرًا إلى تعدد مستويات البيئة، فإن مسؤولية القيام بهذه المهمة تقع على عاتق أفراد وأجهزة ومؤسسات مختلفة في كل مستوى. فعلى مستوى المجتمع، تقع على عاتق الحكام ومختلف أجهزة الحكم مسؤولية تنقية البيئة من العوامل المناهضة للتربية. وقد جاء في بيان الخطوة الثانية للثورة على لسان قائد الثورة الشهيد في هذا الشأن: «[على رجال الدولة] … أن يواجهوا مراكز مناهضة المعنوية والأخلاق بأسلوب معقول، وألا يسمحوا للجهنميين بأن يجعلوا الناس جهنميين بالقوة والخداع».

وينبغي أن تكون مواجهة مراكز مناهضة الأخلاق والمعنوية من أهم واجبات الحكام وإجراءاتهم؛ لأن الوظيفة الأساسية للحكومة ورجال الدولة، وفق الرؤية السياسية في الإسلام، هي تأمين المصالح المعنوية.

النقطة الثانية: تهيئة البيئة التربوية وتسهيل النمو الأخلاقي والمعنوي

لا ينبغي أن تقتصر البيئة التربوية على إزالة العوامل المدمرة للعملية التربوية، بل يجب أن تهيئ أيضًا الظروف المناسبة لتعليم القيم الأخلاقية والمعنوية وتعلمها وممارستها.

وعلى الوالدين في المنزل، والمعلمين في المدرسة، ومختلف أجهزة الحكم على مستوى المجتمع، العمل على توفير هذه الظروف. وتتعدد أساليب تحقيق ذلك؛ ومن أكثرها تأثيرًا ترسيخ القيم عمليًا من خلال سلوك الوالدين والمربين والمسؤولين الحكوميين أنفسهم.

كما أن دعم المؤسسات التي تعمل على نشر القيم ومساندتها من الواجبات الأخرى، وتضطلع السلطة الحاكمة بالدور الأهم في هذا المجال. وقد جاء في بيان الخطوة الثانية للثورة: «[على رجال الدولة] أن يتحلوا هم أنفسهم بالسلوك الأخلاقي والمعنوي، وثانيًا أن يهيئوا الظروف لانتشار ذلك في المجتمع، وأن يتيحوا للمؤسسات الاجتماعية المجال في هذا الشأن ويساندوها».

النقطة الثالثة: تعزيز المعتقدات والرؤى الدينية وتعميقها

يُعد إيجاد الرؤية العقدية الصحيحة وتعزيزها وتعميقها من الضرورات التربوية للحد من الآثار المدمرة للبيئة. فإذا ترسخت القيم العقدية والدينية في نفوس الأطفال والأبناء، فلن تتمكن العوامل التربوية المدمرة الناجمة عن البيئة من التأثير فيهم.

ويمثل ذلك نوعًا من التحصين المعنوي في مواجهة العوامل البيئية المؤثرة في التربية. ولذلك ينبغي للمربين والوالدين، من خلال التعليم المنطقي للقيم، أن يسعوا إلى تعميق القيم الدينية والعقدية لدى الأطفال وتعزيزها.

أما الذين لا يمتلكون عمقًا معرفيًا في المعارف الإسلامية، فإنهم قد يصابون بالحيرة والشك، وربما الانحراف، عند مواجهة الشبهات والهجمات الفكرية. ومن هنا قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «لایَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلا أَهْلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ وَالْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقِّ». (نهج البلاغة، الخطبة 173)

ومن الواضح أن البصيرة في الدين تتحقق من خلال تعميق الرؤى والمعارف.

النقطة الرابعة: تعزيز الإرادة وتقدير الذات

إن العامل الحاسم في التغلب على العوامل البيئية أو اختيار التأثر بها هو إرادة الفرد واختياره. ولذلك ينبغي أن تكون العملية التربوية على نحو يكتسب الطفل تدريجيًا القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة، ومقاومة ضغوط أقرانه وسائر العوامل البيئية، والثقة الداخلية بالنفس، وأن يتمتع بإرادة قوية راسخة.

ويمكن أن يكون تنمية الشعور بالعزة والكرامة الذاتية، وبناء الهوية الدينية والقيمية، وترسيخ روح الاعتماد على النفس، وتعزيز الرؤى الدينية، عوامل مفيدة لتحقيق هذا الهدف.

النقطة الخامسة: إدارة وسائل الإعلام والإشراف عليها

تُعد وسائل الإعلام من الأدوات الواسعة الانتشار والمهمة، ولها آثار لا يمكن إنكارها في المعتقدات والأخلاق والقيم الدينية؛ إلا أنها قد تتضمن في بعض الأحيان مراكز مناهضة للمعنوية والأخلاق.

ومن ثم ينبغي ممارسة رقابة واعية ومدروسة على استخدام الأبناء والأطفال لهذه الوسائل. ويقع جزء من هذه الرقابة على عاتق الوالدين، بينما يمثل جزء آخر منها إحدى المسؤوليات الثقيلة والمهمة للحكم.

وقد جاء في بيان الخطوة الثانية للثورة في هذا الشأن: «لقد وضعت الأدوات الإعلامية المتقدمة والواسعة الانتشار إمكانية بالغة الخطورة في متناول المراكز المناهضة للمعنوية والأخلاق، ونحن نشهد بأعيننا اليوم الهجوم المتزايد الذي يشنه الأعداء على القلوب الطاهرة للشباب والمراهقين وحتى الأطفال، مستفيدين من هذه الأدوات. وتقع على عاتق الأجهزة الحكومية المسؤولة في هذا المجال مسؤوليات جسيمة ينبغي القيام بها بذكاء ومسؤولية كاملة. وهذا، بطبيعة الحال، لا يعني رفع المسؤولية عن الأفراد والمؤسسات غير الحكومية. وينبغي في المرحلة المقبلة وضع وتنفيذ برامج شاملة قصيرة ومتوسطة المدى في هذه المجالات».

النقطة السادسة: اختيار الأصدقاء والأقران ومراقبتهم

تُعد البيئات التي تجري فيها التفاعلات الإنسانية من أكثر البيئات تأثيرًا في التربية، ولا سيما بالنسبة إلى الأطفال. ولذلك ينبغي الإشراف بدقة على الأشخاص الذين يتعاملون مع الأبناء في البيئات المختلفة، ومن بينهم أصدقاؤهم وأقرانهم، وتقييم هذه العلاقات.

ويُعد تشجيع الأبناء على مصادقة الأشخاص الصالحين والابتعاد عن معاشرة من تتعارض سلوكياتهم أو معتقداتهم مع القيم الدينية من المبادئ الأساسية في هذا المجال.

النقطة السابعة: تحويل بعض الواجبات إلى فرائض وتعويد الأبناء عليها

من الأفضل تحديد واجبات واضحة وغير قابلة للتفاوض للأبناء، وتعويدهم على أدائها منذ مرحلة الطفولة؛ مثل منع مشاهدة الصور والأفلام غير المناسبة، ومراعاة الحدود الشرعية عند استخدام الفضاء الافتراضي، والالتزام بالبرامج المعنوية اليومية، كالصلاة، ومراعاة العفة والحجاب.

وعندما تُعرَّف بعض الأمور للطفل بوصفها تكاليف شرعية وتربوية، وتترسخ لديه بالتعويد، فإنه يتقبلها لا باعتبارها قيودًا، وإنما باعتبارها جزءًا من هويته الدينية. وبفضل هذا القبول وترسيخه، يصبح قادرًا على التغلب على العوامل البيئية المدمرة.

النقطة الثامنة: إزالة الشبهات والإشكالات الفكرية ودفعها

يُعد تقديم إجابات واضحة وصبورة قائمة على الاستدلال عن الشبهات والتحديات والأسئلة والهواجس والعقد الذهنية والفكرية من أفضل السبل لتحييد الهجمات الفكرية الناجمة عن بيئات مثل المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والأصدقاء.

وفي الوقت الحاضر، وبسبب الكم الهائل من وسائل الإعلام والمحتويات المدمرة التي تُنتج وتُتداول، تمتلئ أذهان الأبناء ونفوسهم بالشبهات والتحديات الفكرية. ومن ثم ينبغي للوالدين والمربين أن يتعاملوا معها بحساسية واعية؛ فعليهم من جهة منع وصول الشبهات إلى أذهان أبنائهم، ومن جهة أخرى، إذا وصلت هذه الشبهات إلى أذهانهم، المبادرة إلى الإجابة عنها.

النقطة التاسعة: تغيير البيئة والموقع

إذا كانت بيئة المعيشة أو التعليم أو المجتمع غير مناسبة وتنطوي على آثار مدمرة، ولم يكن بالإمكان التغلب على تأثيراتها، فإن من الإجراءات التي ينبغي اتخاذها أن يعمد الوالدان إلى تغيير البيئة والمكان، كالنقل من محل السكن، أو تغيير المدرسة، أو الحد من الدخول إلى الأحياء التي تهيئ بيئة ضارة، بما يحول دون التغلغل التدريجي للعوامل التربوية المدمرة.

النتيجة

للحد من تأثير البيئات السلبية في تربية الأبناء، لا بد من اتخاذ مجموعة من الإجراءات المنسقة على مختلف المستويات التربوية. ومن أبرز هذه الإجراءات: تنقية البيئة من العوامل التربوية المدمرة من قبل الأفراد والمؤسسات المسؤولة، ولا سيما أجهزة الحكم؛ وتهيئة الظروف لتعلم القيم الأخلاقية والمعنوية وممارستها؛ وتعزيز المعتقدات والرؤى الدينية وتعميقها بهدف تحقيق التحصين المعنوي؛ وتنمية الإرادة والعزة بالنفس والثقة بالذات لدى الأطفال؛ والإشراف الواعي على وسائل الإعلام؛ واختيار الأصدقاء والأقران ومراقبة هذه العلاقات؛ وتحديد واجبات واضحة وتعويد الأبناء عليها منذ الطفولة؛ وتقديم إجابات واضحة ومستندة إلى الأدلة عن الشبهات والإشكالات الفكرية؛ وعند الضرورة، تغيير البيئة المعيشية أو التعليمية أو الاجتماعية.

وتتكامل هذه السبل فيما بينها لتشكّل حصانة تربوية في مواجهة تسلل العوامل البيئية المدمرة.

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

أحكام رمضان | كفّارة الإفطار العمدي في الصوم
السؤال : ماهو الفرق بين الجسميه والجسمانيه في مصطلحات علم الكلام?
الأحكام الشرعية | المطالبة بحصة الإرث بعد الهبة
السؤال : ارجو التفصيل في سند هذا الحديث أبو علي الأشعري، عن عبد الله بن موسى، عن الحسن بن علي الوشاء قال:
سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: إن لكل إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة ؟
سبب خفاء قبر أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل