بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الاسلامیه “السيد بلال وهبي”
قال الله تعالى فی القرآن الکریم: *قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ﴿سورة الأنعام: 58﴾*
*كان* المشركون يطالبون الرسول الاعظم (ص) بالعذاب الذي كان يتوعدهم به لإثبات دعواه في النبوة، وقد تكرر هذا الطلب على ألسنة أمم سابقة، كما في قول قوم نوح (ع): *﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ﴿سورة هود: 32﴾* وكان في هذا الطلب لون من السخرية والتحدي مع أن تحقق ما يطلبونه قد ينتهي بهلاكهم.
*إن* استعجال نزول العذاب لا يقتصر على الكافرين المعاندين، بل قد يُبتلى به المؤمنون بالله تعالى، حين يرون الظلم مستمرًا والظالمين يزدادون ظلمًا وجَورًا، وأهل الحق يتعرضون للمصائب وتنزل بهم النوائب، فيستعجلون نزول العقاب بالظالمين وزوال سلطانهم ودمار دولهم، وليس في التطلع إلى العدل أو الدعاء على الظالمين بالهلاك ما يستوجب اللوم، بل يجب التطلع إلى العدل، ويحسُن الدعاء على الظالمين، فإن لذلك آثارًا نفسية مهمة، وإنما يُلام الإنسان حين يستعجل الأمور، ويقيس حكمة الله بمقدار استجابتها لتوقعاته، فيفسر تأخر العقوبة بأنه تخلٍّ من الله عن المظلومين، أو إفلات للظالمين من الحساب.
*ولا* يفوتني في هذا المجال أن ألفت النظر إلى وجوب التمييز بين الكافرين المعاندين الذين يستعجلون العذاب استهزاءً وتحديًا، والمؤمنين الذين يتألّمون من الظلم ويتطلعون إلى زواله، فالدافع مختلف، وإن اشتركا في استعجال النتيجة، مع الإشارة إلى أن الإيمان لا يعني أن يفقد المؤمنون إحساسهم بفظاعة الظلم، أو أن يتوقفوا عن التطلّع إلى زواله، وإنما يعني أن يحو دون أن تنقلب آلامه إلى سوء ظن بالله تعالى، أو يأس من عدله، أو اعتراض على حكمته.
*إن* تأخّر العقوبة لا يعني عدم وقوعها، وإنما يعني أن توقيتها وكيفية تحققها يجريان وفق الحكمة الإلهية التي لا يحيط الإنسان بجميع أبعادها. وإمهال الله للظالمين ليس عجزًا ولا غفلة، وإنما يجري وفق تدبير إلهي حكيم. كما أن إنفاذ وعيده بإهلاك الظالمين، وإجراء عدله فيهم لا يقتصر على صورة واحدة، فقد يكون بإهلاك عُتاتهم ورؤوسهم، أو بانهيار منظومة الاستبداد لديهم، أو بزوال أسباب قوتهم، أو بانهيار مشروعهم بالكامل، ناهيك عن حسابهم العسير يوم الدين، حيث لا يضيع حق مظلوم، ولا يفلت ظالم من عدل الله تعالى.
*ومن* هنا ينبغي أن يتحرر المؤمنون من وهم أن بقاء الظالمين أقوياء برهة من الزمن يعني أن الغلبة النهائية ستكون لهم، فلا يجوز بحال من الأحوال أن نجعل توقيتنا معيارًا للحكم على التدبير الإلهي، أو أن نحصر أفعال الله في حدود ما نراه من أحداث في اللحظة الراهنة.
*وهناك* أمر في غاية الأهمية تنبهنا الآية إليه، حيث يقول تعالى لرسوله الأكرم (ص): *﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾*. فرسول الله على عظيم منزلته عند الله، وعظيم ولايته التي وهبه الله إياها، لا يملك أن ينزّل العذاب متى شاء، أو أن يحسم الصراع وفق رغبته، فمهمته إبلاغ الرسالة، وإقامة الحجة، أما إنزال العذاب فإنه خاضع لتدبير الله حصرًا، ويجري وفق مشيئته الحكيمة، وليس خاضعًا لإرادة البشر وإلحاحهم.
*إن* القائد مهما بلغ من العلم والقدرة والحنكة وحُسن التدبير فإنه لا يملك النتائج، ولا يستطيع أن يفرض على الأحداث أن تسير وفق إرادته، وإنما تتمثل مسؤوليته في أداء واجبه، وتوفير الأسباب، واتخاذ القرارات المناسبة، والثبات على المبادئ، وتنظيم جهود أنصاره وتوجيهها، ثم يترك ما يتجاوز قدرته إلى الله تعالى.
*ما* سبق يوجب علينا أن نميِّز بين مسؤولية القائد عن العمل، ومسؤوليته عن النتائج، فهو مطالَب بالتخطيط، وحشد الطاقات، واختيار الوسائل المناسبة، والمبادرة إلى تصحيح الأخطاء حال اكتشافها، والوفاء بعهده مع الذين ائتمنوه على قيادة المشروع، لكنه لا يملك مفاتيح الغيب، ولا يستطيع أن يضمن موعد الانتصار والغلبة.





