يُعدّ «الدفاع المقدّس» رمز ذروة العزّة والثبات لجيلٍ نهض في ظلّ الجاذبية الغيبية الإلهية وإشراق نور هداية «الإمامة»، فبقيادة الإمام روح الله الخميني ودور المؤسّسة الدينية، تحقّقت الانتصارات، وتجسّد إيمان المقاتلين وقيمهم الدينية، وارتفع لواء الحرية على ذروة الإنسانية.
أفادت وكالة «حوزة» أن «الدفاع المقدّس» هو مظهر أسمى لعزيمة جيلٍ قام في شعاع الجذب الإلهي ونور الهداية الإمامية، ففتح أقاليم وجوده الذاتي، ووضع جبينه على أعتاب «الولاية»، فانكشفت الجوهرة المعنوية للإنسان في أصداف الأجساد.
قيادة الإمام الخميني
في تاريخ الإسلام، وبعد قرونٍ طويلة، تولّى الإمام الخميني ـ بوصفه أول فقيه جامعٍ للشرائط ـ الموقع الرفيع والحسّاس لقيادة القوّات المسلّحة، فأظهر دور القيادة الدينية في الدفاع عن الإسلام وكيان الوطن والنظام الديني، ورأى ـ عبر تعبئة الطاقات المعنوية والعقائدية لطبقة العلماء ـ أن المعيار الأساس للنصر في الدفاع المقدّس هو المعنوية والقيم الإنسانية التي يصوغها الإسلام، وصرّح قائلًا:
«الضرب والانتصار والفتح وكلّ ذلك، إن لم يكن بُعده المعنوي حاضرًا، فهو بأجمعه هزيمة.»
(الإمام الخميني، 1999، ج19: 23)
ومن الواضح أنه في ظلّ قيادته وتوجيهاته ذات النَّفَس النبوي، وبنظرته الإلهية، وقع تحوّل عجيب أشبه بالإعجاز في الأرواح والقلوب، فامتلأت بالإيمان والإخلاص وروح الشهادة لدى الشعب الإيراني المقاوم ومجاهدي الإسلام. لقد بعثت الأنفاس المسيحائية لذلك البطل المنحدر من سلالة النبي ﷺ حياةً جديدة في القلوب الخاملة، وبدّلت الرؤية الكونية للمجتمع من أفق الدنيا المادي الضيّق إلى أفق المعنوية الدينية الرحب، ثم رفعت راية العزّة والكرامة فوق ذروة الإنسانية.
ومن بين مئات صفات الإمام القيادية والإدارية، كان من أبرز مظاهر حسم قيادته في الدفاع المقدّس أمرُه الشهير إلى القوّات المسلحة بضرورة كسر حصار عبادان، إذ قال:
«إني أنتظر زوال هذا الحصار عن عبادان، وأحذّر الحرس والقوى الأمنية وقادة القوات العسكرية: يجب أن يُكسر هذا الحصار، ولا يُتهاون فيه، ولا بدّ أن يُكسر حتمًا.»
(المصدر نفسه، ج13: 333)
ورغم أنّ تنفيذ هذا الأمر تأخّر عدة أشهر بسبب الاضطراب في قيادة الحرب وعدم كفاءة أبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية في إيران ونائب القائد العام، فإنّه ما إن زال هذا العائق حتى أصبح كسر حصار آبادان وطرد قوات العدو من أطرافها على رأس برنامج مقرّ القيادة العملياتية في الجبهة.
وكان الشهيد كلاهدوز ـ أحد أبرز المخطّطين والمنظّمين للقوات المقاتلة لعملية كسر الحصار ـ قد بذل كل جهده وهمّته بدافع العشق لهذه المهمة. وكان يعتقد أن كلمات الإمام مستلهمة من مصدر غيبي؛ ولذلك عندما طُرحت تفاصيل الخطة في جلسة التخطيط، أبدى بعض القادة ـ نظرًا للوضع الجغرافي للمنطقة ونقص الإمكانات ـ عدم موافقة كاملة، إلا أنه خاطبهم مستلهمًا حزم الإمام قائلًا:
«نحن مكلّفون بتنفيذ أمر الإمام.»
(قرباني، 1997، ص 153–154)
دور المؤسّسة الدينية
إن رسالة العلماء ووظيفتهم التبليغية ـ بعد قيادة الإمام روح الله الخميني ـ كان لها أثر بالغ في تجلّي القيم الدينية في أرواح وقلوب مجاهدي الإسلام، وقد انقسمت مسؤوليات العلماء في الجبهات إلى عدّة محاور:
- تبيين المعارف العميقة وترسيخ الأسس العقدية لدى المقاتلين.
- الإجابة عن الشبهات والأسئلة.
- تعليم الأحكام الفقهية المختلفة والمسائل المرتبطة بالدفاع المقدّس.
- رفع المعنويات والتحفيز على القتال وروح الشهادة.
- والأهمّ من ذلك: الحضور القتالي والعسكري جنبًا إلى جنب مع المقاتلين في عمليات الدفاع المقدّس.
وقد أدرك قادة الدفاع المقدّس بوضوح مدى فاعلية وتأثير العلماء والحوزات العلمية معنويًا في مجريات الحرب. فقد قال الشهيد محمد جهان آرا، قائد حرس خرمشهر، لأحد علماء الحرس قبل عملية ثامن الأئمة (فتح عبادان):
«أبلغ سلامي إلى السيد علي أكبر المشكيني في قم، وقل له: إننا نؤمّن سلاح وغذاء مجاهدي الإسلام، لكن الذي يصنع النصر في ساحة القتال هو الإيمان، وتأمين إيمان المقاتلين على عاتق العلماء والحوزات العلمية.»
(معهد الإمام الصادق للأبحاث، 2012: ص 187)
ولا ريب أن الدور المحوري لسماحة حجة الإسلام والمسلمين غلام حسين جمي، بوصفه رمز ثبات العلماء في أداء التكليف الديني في مواجهة العدو، وإقامته صلاة الجمعة في عبادان، كان من أبرز مظاهر بثّ روح الصمود في الناس. فقد كان الشيء الوحيد الذي كانت عبادان تفتخر به آنذاك هو صلاة جمعتها. ومع أنّ شقيق إمام الجمعة استُشهد في المدينة، وأُصيب منزله بقذيفة مدفعية، واضطرت عائلته إلى مغادرتها، وتعرّض هو نفسه لجلطتين، بل وسقطت قذائف المدفعية والهاون مرارًا قرب موضع الصلاة، فإنه لم يقبل ـ في أشد الظروف قسوة ـ أن يغادر عبادان أو يترك صلاة الجمعة فيها لحظةً واحدة.
وكان أحيانًا يقيم الصلاة بثلاثة أو أربعة صفوف فقط. ولم يكن يُسمع أثناء الصلاة سوى دويّ قذائف الهاون وزئير الطائرات فوق المصلّى وانفجارات القنابل حوله، ومع ذلك كان إمام الجمعة الجليل يخاطب خالق الكون بسكينة نادرة، ثم يقول للمصلّين التوّاقين إلى الشهادة: لا تخافوا أبدًا، فالله معنا. وقد عبّر الإمام الخميني عن اعتزازه بوجود صلاة جمعة كهذه.
(الخميني، 1999، ج16: 11)
وفي كلمة موجزة بيّن إمام جمعة عبادان سبب بقائه الدائم في المدينة ـ رغم خروج معظم أهلها إبّان الحصار والقصف ـ فقال:
«إن البقاء في عبادان كان واجبًا شعرتُ بأن وجودي فيه يمنح المقاتلين طمأنينة. وفي تلك الأيام، مع أن آثار الهزيمة كانت تبدو ظاهرة، كنت أبعث يوميًا أو يومًا بعد يوم رسالة إذاعية إلى الناس والمجاهدين، أؤكد لهم أن حربنا حرب الإسلام والكفر، وأن الكفر لن يغلب الإيمان، فكنت أبشّرهم بالنصر وأزرع فيهم الأمل.»
(شيخيان، 1999، ج5: ص 231، 234)
تجلّي القيم الدينية
إنّ التزيّن بالفضائل والقيم والعقائد الدينية، وما تحلّى به المقاتلون من دوافع معنوية، مع قلّة تجهيزاتهم العسكرية، أفضى ـ في مواجهة الخطط العسكرية للأعداء والاستكبار العالمي ـ إلى انتصارات مدهشة أثارت دهشة الخبراء والمفكّرين العسكريين في العالم، وبذلك أُضيف لوحٌ ذهبي جديد إلى سجلّ مفاخر الشعب الإيراني.
وتُظهر الإحصاءات والجداول المقارنة بين قوى وتجهيزات جيشي إيران والعراق الفارق الكبير في الإمكانات العسكرية بين مجاهدي الإسلام وجيش البعث (دروديان، 1997، ج6: ص137). وعلى الضفة الأخرى من الجبهة كانت تقف قوى امتلأت قلوبها إيمانًا بالله وقيمًا دينية، وكان سرّ نجاح انتصارات المقاتلين وحفظ منجزات الثورة والدفاع المقدّس كامناً في معنويتهم.
وقد قال القائد المجاهد، اللواء الشهيد يوسف كلاهدوز، بعد عملية ثامن الأئمة (فتح عبادان) في مكالمة هاتفية مع أحد أصدقائه، متحدثًا عن تجلّي القيم والمعتقدات الدينية وازدهار الروح الإيمانية في قلوب المقاتلين:
«أبلِغ جميع إخوان الحرس الإسلامي سلامي، وقل لهم: لقد رأينا الأيادي الغيبية لله فوق رؤوس المقاتلين، وشاهدنا الفتح الإلهي عن قرب. قل لهم: إن الله منحنا هذا النصر ببركة تلك الصلوات الليلية والتوسّلات. قل لهم: كونوا رهبان الليل وأسود النهار. قل لهم: إن كل ذلك ثمرة التقوى والتوكّل والسعي الصادق. إياكم والغرور، وقوّوا صلتكم بالله سبحانه.»
(قرباني، 1997: ص147–148)
ومن جهة أخرى، قال أحد ضباط البعث في اعترافاته ـ مشيرًا إلى عظمة البعد الإيماني لدى المقاتلين ـ:
«بعد الهزيمة في عبادان، التي كانت من أقوى حصوننا، ثبت لجميع قادتنا أننا لن نستطيع البقاء في إيران. فمع أننا ـ من حيث العدد والإمكانات والعتاد ـ لسنا أقلّ منكم إن لم نكن أكثر، وجميع دول المنطقة، ومنها السعودية ومصر والسودان والأردن، تقدّم لنا دعمًا عسكريًا، فإن شيئًا واحدًا ينقصنا، وهو سبب هزيمتنا: الإيمان.»
(تقي زاده، 2001، ج1: ص100)
الكلمة الختامية
تُعدّ عمليّة «ثامن الأئمّة» نقطةَ الانطلاق لتنفيذ أوامر الإمام روح الله الخميني، وبداية الحضور الفاعل للعلماء، وتجسيد وحدة الصفّ والتلاحم بين القوى المقاتلة في انتصارات الدفاع المقدّس. فقد سُجِّلت أول عمليّة مشتركة ناجحة ليلية بين الجيش، والحرس، والتعبئة، وسائر القوى الشعبية، بشعار: «نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ»، في تحرير عبادان، حيث طُهِّر نحو 150 كيلومترًا مربعًا من أرض خوزستان من رجس العدو، ومُهِّد الطريق لانتصارات متتابعة ومدهشة أخرى في مواجهة البعثيين (انظر: صفوي، 2011).
ولا تزال اليوم نسائم القداسة المنعشة لقيم الدفاع المقدّس الدينية تُجدِّد الروح عبر الزمن، ويترنّم الوجدان بذكراها، وقد استضاء أحرار العالم من مشعلها المتقد شعلاً لصحوةٍ إسلامية. إن اندفاع شباب العالم الإسلامي التوّاقين إلى الشهادة في أراضي فلسطين ولبنان وسوريا والبحرين واليمن، حيث كُسرت خطوط جبهة الاستكبار العالمي وأعوانه، إنما هو تجلٍّ لمشاهد الحماسة التي صنعتها ثماني سنوات من الدفاع المقدّس لمجاهدي الإسلام. وكلّما ابتعد الزمن عن تلك الملحمة العظيمة، ازدادت القيم الإسلامية نضارةً وتفتحًا في الجيل المعاصر، وذلك ببركة الدماء الزكية التي بذلها أبطال الشهادة في صميم حياة المسلمين.
المصادر
- الخميني، روح الله (1999م)، صحيفة الإمام، ج19، طهران: مؤسسة آثار الإمام.
- مركز البحوث الإسلامية التابع للحرس (2012م)، دراسة في أداء ممثلي الولي الفقيه في الحرس الثوري، قم: زمزم هداية.
- تقیزاده أكبري، علي (2001م)، العوامل المعنوية والثقافية للدفاع المقدّس، ج1، قم: زمزم هداية.
- دروديان، محمد (1997م)، دراسة في حرب إيران والعراق، ج6، طهران: مركز دراسات وبحوث الحرب للحرس.
- شيخيـان، علي، العوامل المعنوية والثقافية للدفاع المقدّس (حضور العلماء)، ج5، قم: زمزم هداية.
- سيد رحيم صفوي (2011م)، أيام المقاومة، طهران: نشر هدى.
- قرباني، محمد علي (1997م)، هالة من نور (ذكريات عن اللواء الشهيد يوسف كلاهدوز)، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل