الحكمة الثالثة والتسعون من نهج البلاغة
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ الْفِتْنَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ».
فالفتنة هنا هي الامتحان الإلهي الذي لا ينفكّ عن الإنسان في مسيرته، وهو سنّة جارية لا محيد عنها. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
فميزان كرامة الإنسان وقيمته ليس ما يدّعيه بلسانه، بل كيفية عبوره امتحانات الله. فالابتلاء عامّ يشمل الجميع، غير أن شدّته تتفاوت؛ فكلما عظم الموقع وارتفع المقام، ازدادت صعوبة الاختبار.
وقد ورد في الأحاديث أن أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، وكلما كان الإنسان أقرب إلى مراتب الكمال، كان امتحانه أعظم وأثقل.
ولا مهرب لأحد من هذا الطريق، فكل إنسان مطالب بأن يؤدّي امتحانه.
فمن الناس من يُبتلى بالمال، حين يثقل عليه أداء ما افترض الله فيه من حقوق، أو حين تُعرض عليه أمانة فيختبره الله: أيؤدّيها إلى صاحبها أم تستدرجه نفسه إلى الخيانة؟ ذلك ميدان الامتحان المالي.
ومنهم من يكون ابتلاؤه في العلم، إذ قد يغترّ بعلمه، ويحسبه ميزان التفاضل، مع أن الميزان هو العمل، والعمل لا قيمة له إن خلا من الإخلاص.
ومنهم من رُزق المال، لكنه يُمسك يده عن الإنفاق، ويقسو قلبه عن مواساة المحرومين.
ومنهم من أُعطي نعمة الشباب، فيبدّد هذه الثروة العظيمة في اللهو والشهوات، بدل أن يجعلها سلّمًا لطاعة الله وخدمة عباده.
ومنهم من فُتن بالجمال، فجعله سبيلًا إلى الانحراف، مع أن في سيرة يوسف عليه السلام شاهدًا على أن الجمال قد يكون ميدان طهارة وسموّ، لا سبب سقوط وانحلال.
ومن الناس من يُمتحن بالمنصب والمسؤولية، أو بالتعلّق بالأهل والمال والمتاع، فلا يقوى على الفكاك منها حين يُنادى بالتكليف الإلهي، فيتعثر ويسقط في الامتحان.
وهكذا، يبتلي الله كل إنسان على قدر موقعه وحاله، والامتحانات ليست واحدة، بل متعددة الصور والدرجات. فلا يصحّ أن نطلب رفع الامتحان، لأنه واقع لا محالة، وإنما الصحيح أن نستعيذ بالله من الفتن التي تُضلّ الإنسان وتُسقطه، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ».
ثم يشير عليه السلام إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
فالمال والولد قد يكونان سُلّم نجاة، وقد يكونان أداة امتحان، يُمتحن بهما رضا الإنسان، وقناعته، وتسليمه لقضاء الله.
فطوبى لمن سعى أن يخرج من امتحانات الله كلّها مرفوع الرأس، ثابت القدم، وقد صدق في عبوديته، ووفّى بحق التكليف.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





