أوضح خبير نهج البلاغة أن التباين الأساسي بين السيرة العلوية والسياسة الأموية يتمثل في التمييز بين نهجين: «الانتخاب من أجل الخدمة» و«الانتخاب من أجل السلطة»، مؤكدًا استنادًا إلى كلام أمير المؤمنين عليه السلام أن البيعة أو تصويت الناس إذا كان حجّة شرعية فلا يجوز أن يُستغل كغطاء لتثبيت السلطة أو التضحية بالمصالح الحزبية أو الشخصية
وفقًا لوكالة أنباء حوزه، نقدم خلال شهر رمضان المبارك أجزاء من خطب نهج البلاغة مع تفسير حجّة الإسلام والمسلمين محمود لطيفي
أحد الاختلافات الجوهرية بين السياسة العلوية والسياسة الأموية هو أن النهج العلوي يضع الشخص في موقع الخضوع لاختيار الناس بينما في ظل القوة والاستبداد وحدوث الانقلاب يصبح تصويت الناس بلا تأثير ولا يظهر أثر لإرادة الشعب، وهذا هو جوهر الفرق
السياسة الصحيحة تقوم على تمكين الناس من الاختيار ليحددوا من سيخدمهم، فهناك من يضع نفسه في خدمة الشعب ويعرض نفسه لاختيارهم من أجل خدمة المجتمع، ويقوم الناس بالاختيار لتحديد من هو الأفضل في الخدمة
في المقابل، هناك من لا يضع نفسه في معرض اختيار الناس، بل يثبت نفسه للسلطة ويستغل تصويت الناس مجرد غطاء للوصول إلى الرئاسة والسيطرة على الحكم
إذا أردنا تبسيط الفكرة، يجب أن نتساءل: هل الناس موجودون للاختيار أم أن الاختيار موجود لخدمة الناس؟ هل نريد الناس ليختارونا أم نريدهم لنخدمهم؟
قبل فترة، سأله صحفي أحد السياسيين الذي للأسف لا يزال موجودًا في مجتمعنا الإسلامي بعد الثورة، عن سبب رفضه قبول شخصية حصلت على تصويت جيد من الشعب، فأجاب صراحة: «كان لدينا مشكلة أساسية معه»
إذا كان اختيار الناس حجّة شرعية، فيجب أن تُزال أي مشكلة شخصية ويجب احترام اختيار الشعب
في الخطبة رقم 136، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «لَمْ تَكُنْ بَیْعَتُکُمْ إِیَّايَ فَلْتَةً».
ومعنى كلمة «فَلْتَة» هو العمل المفاجئ أو غير المدروس أو العشوائي، أي العمل الذي يتم فجأة وبدون تخطيط أو سياسة مسبقة. ويشير أمير المؤمنين هنا إلى أن بيعة الناس لم تكن عملًا مفاجئًا أو غير متوقع، ولم يأتِ الناس بلا سابق معرفة ليقولوا: «كن أنت الرئيس»
هنا يوضح الإمام (عليه السلام) أن مبايعتكم لي لم تكن حدثًا عشوائيًا أو مفاجئًا أو بلا تخطيط؛ لم تكن أمرًا تم بشكل مفاجئ ودون اهتمام، ولم يأتِ الناس بلا مقدمات أو خبرة ويقولوا “تفضل، كن أنت الرئيس”؛ ولم يكن الأمر أن يفتح أحد عينيه فيجد الآن شخصًا أصبح رئيسًا فجأة.
كان الناس في القديم يقولون إنه أحيانًا في بعض الدول أو المناطق، عند وفاة الملك، بحسب وصيته أو عدمها، كان بعض الشيوخ أو كبار السن ينصحون بأن يطلقوا هذا النسر أو الصقر الصياد أول الصباح، ومن جلس على كتف من، يُقدّمونه ليكون ملكًا. كان هذا أمرًا عشوائيًا، بلا تخطيط أو توقّع مسبق.
المعنى هنا أن الشخص ليس بالضرورة أهلاً للمنصب، بعضهم لا يملك الأهلية، لكنه يرشح نفسه ويكسب الأصوات. حصل على الأصوات، ووقع أمر عشوائي. وهذا هو الشر المشار إليه في الرواية: أمر عشوائي حمى الله به المجتمع من شره (ولا أعلم إن كان ما زال محفوظًا أو لا).
وقال الإمام عليه السلام: «لَیْسَتْ بَیْعَتُکُمْ إِیَّایَ فَلْتَهً»
وقال أيضًا: «إِنَّ أَمْرِی وَ أَمْرَکُمْ وَاحِدٌ»
المشكلة هنا أنكم بالنظر إلى التربية التي تلقيتموها، رغبتكم ورغبتي أمران مختلفان، مسألتان منفصلتان.
وقال أيضًا: «إِنِّی أُرِیدُکُمْ لِلَّهِ»
أي أنني جئت لأقوم بواجبي الإلهي. الشخص الذي يضع نفسه في مواجهة اختيار الناس يفعل ذلك لأنه يشعر بالواجب؛ يريد أن يخدم في هذا المنصب في المجتمع الإسلامي، ولهذا السبب يعرض نفسه لاختيار الناس كي يحصل على فرصة لخدمة الآخرين.
الانتخابات في الإسلام يجب أن تكون على هذا النحو.
يشعر بالواجب؛ يعتبره مسؤولية شخصية عليه أن يخدم في هذا المسار، فيأتي ويضع نفسه أمام اختيار الناس.
ويكمل الإمام (عليه السلام): «إِنِّی أُرِیدُکُمْ لِلَّهِ وَ أَنْتُمْ تُرِیدُونَنِی لِأَنْفُسِکُمْ»
أما أنتم أيها الناس الذين تصوّتون، فأنتم تبحثون عن من يكون في صالحكم؟ هذا أحدهم من أبناء مدينتنا، وهذا من نفس لغتنا، وهذا من حزبنا أو جماعتنا، وهذا يصب في مصلحتنا. أحدكم يسأل: ما حكم الله؟ والآخر يسأل: ما الفائدة لي؟
هذان نهجان مختلفان ومتعارضان. الاختلافات التي تظهر أحيانًا في المجتمعات الإسلامية الحالية، مثل ما يحدث في جمهورية إيران الإسلامية، سببها هذا: نظرة من يعرض نفسه للاختيار ليست بالضرورة مطابقة لنظرة الناخبين، ونظرة من يصوتون ليست مطابقة لمعرفة ما هو الواجب والخدمة الحقيقية.
هذان الأمران مختلفان ومتناقضان. والاختلافات التي تظهر في مجتمعنا الإسلامي الحالي داخل الجمهورية الإسلامية سببها هذا. أحيانًا لا تتطابق نظرة من يضع نفسه في مواجهة اختيار الناس مع نظرة الناس أنفسهم.
ونظرة من يصوت ويختار ليست بالضرورة أن ترى ما هو الواجب. فإذا كان لديك واجب، هل الله كلفك بأن تختار الطاغوت؟ هذا مستحيل. كيف يمكن لمسلم أن يختار الطاغوت؟ شخص ليس له حق، ليس لديه شروط، ولا توجد مصلحة في الأمر، ومن لا يملك أهلية رئاسة المجتمع الإسلامي، على أي أساس نصوت له؟ لأي سبب شرعي أو قانوني نمنحه صوتنا؟ هذا شخص يسلك طريقًا، وآخر يسلك طريقًا مختلفًا؛ كلٌ يسير في مسار منفصل.
وقال الإمام (عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ»
أي: تعالوا وساعدوني على مواجهة أنفسكم، على مواجهة الطريق والثقافة الخاطئة التي انتشرت في مجتمعنا، الثقافة التي ترسخت وجذرت نفسها، لنوقفها معًا.
يجب أن تقوم الانتخابات على أساس الحق الإلهي، لا على أساس المصالح الشخصية؛ على أساس تقييم اختيار الناس، لا على أساس استغلال أصوات الناس لخدمة مصالحنا الشخصية أو التلاعب بها لصالح أهوائنا. وهذا أيضًا أحد الفروق الأساسية بين سياسة الإمام علي (عليه السلام) وسياسة الأمويين، والتي للأسف ما زالت تحدث في المجتمعات البشرية حتى اليوم.
غالبًا ما يزعمون أنهم يقدّرون صوت الناس، لكن في الواقع، أولئك الذين لديهم السلطة، والمال، والنفوذ، هم دائمًا الأسبقون. في الآونة الأخيرة، رأينا كيف أن الدول الاستكبارية سرقت بسهولة انتخابات شعبيّة كان فيها الناس قد اختاروا الشخص المناسب لحكمهم، أي أن الرئيس المنتخب من الشعب تم اغتيابه سياسيًا وسلبه حقه. هذا إهانة لصوت الناس.
فكيف يمكن لهؤلاء أن يدّعوا بعد ذلك أنهم يسعون لمصلحة الناس وحقوقهم، وأن قلوبهم مع الناس؟
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





