آية الله السيد رحيم توكل، الأستاذ في الحوزة العلمية /الجلسة السادسة
من هو لقمان الحكيم؟
لم يكن لقمان شخصاً عادياً بسيطاً. فقد نص القرآن الكريم على مكانته الرفيعة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12]. وقال سبحانه في موضع آخر: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]. فإعطاء الحكمة للقمان يعني إعطاءه الخير الكثير.
مكانة لقمان كانت سامية إلى درجة أن سورة من القرآن الكريم تحمل اسمه، وهذا بحد ذاته يدل على عظيم منزلته. وقد ورد أن بعض الأنبياء الذين عاصروه كانوا يحضرون مجلسه ويجلسون للاستماع إلى كلماته الحكمية والاستفادة منها، مع أنهم أنبياء يتصلون بمصدر الوحي مباشرة. هذا يظهر عمق كلمات لقمان وحكمتها البالغة.
ومع أننا – بوجود أربعة عشر معصوماً (عليهم السلام) – لا نحتاج إلى لقمان ولا إلى غيره، إلا أن الله تعالى نقل كلمات لقمان في سورة من القرآن. وهذا مع وجود معارف أسمى وأعمق بكثير من هذه الكلمات قد بيّنها لنا أهل البيت (عليهم السلام). وقد تكون الحكمة في ذلك أن الله أراد أن يري الناس أن الإنسان إذا وصل إلى ذروة المعنوية، تصبح كلماته قيمة إلى درجة تسجيلها في الكتاب الإلهي.
قصة لقمان مع سيده: درس في الصدق والنفاق
يُروى أن لقمان كان في الظاهر عبداً وخادماً يعمل في بيت أحد السادة. كان صاحب البيت يتحدث عنه أمام أصدقائه بكلمات الثناء والإطراء، مما أثار فضولهم لمعرفة هذا الشخص. فجاؤوا ذات يوم إلى البيت وسألوا: أين لقمان؟ فأشار صاحب البيت إلى العبد الواقف بجانبه.
قرروا اختباره. فذبحوا شاة وقالوا للقمان: ائتنا بأفضل جزء فيها. فذهب لقمان وأتى بالقلب واللسان. ثم قالوا: ائتنا الآن بأسوأ جزء فيها. فذهب وأتى بالقلب واللسان مرة أخرى.
ضحك الضيوف وقالوا: يبدو أنه لم يفهم المطلوب؛ طلبنا منه أفضل جزء فجاء بهذا، ثم طلبنا أسوأ جزء فجاء بنفس الشيء!
فقال صاحب البيت: اسألوه أولاً ثم احكموا. سألوا لقمان: لماذا أتيت بالقلب واللسان في المرتين؟
فأجاب لقمان: إذا كان ما يجري على اللسان هو ما في القلب، أي ظاهر الإنسان وباطنه واحد، فهذا خير ما في الإنسان. أما إذا قال اللسان شيئاً وأضمر القلب خلافه، فظاهر الإنسان غير باطنه، وهذا هو النفاق، والنفاق شر ما في الإنسان.
الابتلاءات.. مكاشفة النفس وتهذيبها
على هذا الأساس، على الإنسان أن ينظر إلى نفسه أولاً، ويتعرف على نقاط ضعفه، ولا يعيب على الآخرين ما يعانيه هو من عيوب. عليه أن يصلح نفسه أولاً ثم يتوجه إلى إصلاح الآخرين.
إن الابتلاءات الإلهية تكشف ما في باطن الإنسان، وهي من النعم الظاهرة لله تعالى، لا من النعم الخفية.
الابتلاءات تأتي ليتعرف الإنسان من خلالها على الله سبحانه معرفة أعمق، وليصلح نقاط ضعفه، ويقوي نقاط قوته، فيرتقى سلم الكمال خطوة بعد خطوة.
جاء في الروايات الشريفة: “من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر أيامه خيرها فهو رابح، ومن كان آخر أيامه شرها فهو من الخاسرين”. فإذا كان يوم الإنسان أفضل من أمسه، فقد أحسن استغلال عمره، وإن تساوى يوماه فقد خسر، وإن كان يومه شراً من أمسه فقد بعد عن رحمة الله، لأنه لم يرتقِ درجة فحسب، بل هوى درجة إلى أسفل.
إن الابتلاءات تكشف للإنسان نقاط ضعفه، وتظهر عيوبه الخفية، كمثل بناء لا تظهر عيوب سقفه في أيام الصيف الحارة، فإذا جاء أول المطر تسربت المياه من مواطن الوهن فيه، فبان موضع الخلل الذي يحتاج إلى ترميم.
كذلك الابتلاءات الإلهية، فهي كالمطر يهطل على سقف عمر الإنسان، فحيثما كان وهن أو خلل، يظهر للعيان، فيتنبه الإنسان إلى ضرورة إصلاح ذلك الجزء من شخصيته.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





