استخدم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في حواراته مع مختلف الطوائف، مبادراتٍ كالتكريم واللطف، وتحمل الآراء المخالفة، وتجنّب التعصب. وقد أسفر هذا السلوك عن انخفاض التوترات الاجتماعية بشكل طبيعي.
وقال حجة الإسلام والمسلمين الشيخ حميد رضا مطهري، عضو هيئة التدريس في معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية، في مذكرة بعنوان “الإمام الرضا (عليه السلام) وتعزيز ثقافة الحوار، استراتيجية للحدّ من التوترات الاجتماعية”: “من أهمّ ما قام به الإمام الرضا (عليه السلام) اهتمامه بالحوار مع مختلف الأفراد والحركات، ومن أهمّ عناصر فعالية الحوار ألا يشعر المستمع بالتمييز أو عدم المساواة. وهذا ما دفع الامام علي (عليه السلام) إلى الاعتراض حين تمثل وشخص عادي أمام قاضٍ، فخاطبه القاضي بلقب خاصّ، بينما لم يخاطب الآخر بالمثل. بل طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمساواة في الخطاب، وكان لهذا الموقف أثرٌ في اعتناقه الإسلام. وقد راعى الإمام الرضا (عليه السلام) هذا الأمر في حواراته، حتى أنه حذّر الخليفة العباسي المأمون من التدخل في مناظرة مع سليمان المروزي”.
وأضاف: “من أهم سبل تخفيف حدة التوتر في المجتمع هی احترام معتقدات المخالفين والاستماع إلى وجهة نظرهم. وقد دأب أئمة الشيعة على تطبيق هذا النهج، بل ونصحوا به غيرهم، حتى أن معارضي أهل البيت (عليهم السلام) أقروا به. فقد التقى مفضل بن عمر، أحد صحابة الإمام الصادق (عليه السلام) في المسجد النبوي بابن أبي العوجاء وأصحابه وهم يتناقشون في شأن الله والنبي(ص)، فغضب عليهم غضباً شديداً وصاح فيهم. فدعاه ابن أبي العوجاء إلى مناظرة، وقال له: “لو كنت من صحابة جعفر بن محمد، لما خاطبنا هكذا، ولما جادلنا كما تفعل”. لقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعته منا، ولكنه لم يسبنا قط في حديثه ولم يهيننا ردًا علينا. إنه وقور، صبور، حكيم، ثابت. يصغي إلى كلامنا وينصت إلى حججنا حتى ننهي كلامنا ونظن أننا قد هزمناه. ثم يدحض حجتنا بحجة بسيطة وخطاب قصير، ويلزمنا بحججه، فلا نستطيع الرد عليه. فإن كنت من أصحابه، فتكلم مثله. ويمكن رؤية منهج الإمام الصادق(عليه السلام) هذا أيضًا في حياة الإمام الرضا (عليه السلام)، كما في حديثه مع سليمان المروزي، الذي تناقض مع نفسه ردًا على الإمام، فلم يكتفِ الإمام الرضا(ع) بعدم احتقاره، بل أنصت إليه بصبر ونصح الآخرين أن يحذوا حذوه”.
وأوضح الشيخ حميد رضا مطهري أنه “من أهم الاستراتيجيات الأساسية في المناظرات والحوارات تجنب التعصب والتحيز. فكلما أصرّ شخص على أمرٍ دون دراسة الحجة، بدافع التحيز، أغلق الطريق أمام العلم والمعرفة والعقلانية والتماسك الاجتماعي، وقد نهى الإسلام والأئمة المعصومون(ع) عن ذلك، وأظهروا ذلك في سلوكهم. وبالنظر إلى مناظرات وحوارات الإمام الرضا (عليه السلام)، نجد أنه لم يكن متحيزًا في حواراته مع أتباع الديانات والطوائف، بل كان يجادلهم مستندًا إلى تعاليم كتبهم”.
وأكد العضو في هيئة التدريس بمعهد أبحاث العلوم والثقافة والاسلامية أن “حضور رأس الجالوت ممثلاً عن اليهود، والجاثليق ممثلاً عن المسيحيين، وهربد كبير كهنة الزرادشت، وعمران الصابئي ممثلاً عن الصابئة، فضلاً عن أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، دليلٌ واضح على عدم تحيّز الإمام تجاههم، وهذا له دورٌ فريد في تخفيف حدة التوترات الاجتماعية؛ لا سيما وأن الإمام، إلى جانب كونه الزعيم الروحي للمسلمين، كان أيضاً نائب الخليفة، ورغم أن هذا المنصب لم يكن له قيمة أو إسهام يُذكر في حياة الإمام(ع)، إلا أنه كان منصباً رسمياً وحكومياً في نظر الناس، وكان تقديره له بالغ الأثر في تعزيز التماسك الاجتماعي. في الواقع، كان الإمام الرضا (عليه السلام) مؤسس الحوار بين الأديان، وفي هذا الصدد، اتخذ خطوات دقيقة ومدروسة لتخفيف حدة التوترات الاجتماعية”.
وأضاف الشيخ مطهري أن “هذا السلوك من الإمام الرضا (عليه السلام) واهتمامه بأتباع الديانات الأخرى انعكس في حياته بطريقة أخرى. فعلى سبيل المثال، وصلت رسالة من نيسابور إلى المأمون يخبره فيها بوصية رجل زرادشتي بشأن ثروته. فقد توفي رجل زرادشتي وأوصى بتوزيع ممتلكاته على الفقراء، وقام القاضي بتوزيعها على المسلمين. سأل المأمون الإمام الرضا (عليه السلام) عن ذلك، فأجابه الإمام(ع) بأن الزرادشتي لا يتصدق على المسلمين، وعليه أن يأمر بأخذ المبلغ نفسه من بيت المال المسلمين وتوزيعه على فقراء الزرادشتية. لم يقتصر أثر هذا الأمر من الإمام الرضا (عليه السلام) على تهدئة التوتر فحسب، بل كان له أثر بالغ في تعزيز التماسك الاجتماعي”.
وأوضح أنه “يُستنتج مما سبق، أن الإمام ثامن الحجج (عليه السلام) ركّز على التماسك الاجتماعي وتخفيف حدة التوتر في المجتمع كاستراتيجية أساسية. وقد استخدم استراتيجيات متنوعة لتحقيق ذلك، بما في ذلك الحوار مع مختلف الفئات”.





