مما لا شك فيه أن وسائل الإعلام الجماهيرية في أوقات الأزمات، ولا سيما عند وقوع الحرب، تؤدي دوراً بالغ الأهمية والتأثير في المجتمع والمساهمة في تقدم القضايا، ومن بين هذه الأدوار هو تقديم المعلومات الدقيقة وفي الوقت المناسب.
وحسب قول علماء النفس، فإن من أهم سبل تقليل القلق والتوتر هو أن تقدم وسائل الإعلام معلومات صحيحة وواضحة حول الوضع والظروف، إلى جانب الإشارة الصحيحة إلى مسألة التهديدات وكذلك الإجراءات المتخذة لمواجهتها، مما يساهم في تقليل القلق والافتراضات الخاطئة في المجتمع.
الدور المحوري لوسائل الإعلام في مواجهة الشائعات
يقول الدكتور محمد مهدي جهان پرور، الباحث وأستاذ الجامعة، إن إحدى المهام المهمة لوسائل الإعلام الملتزمة هي التصدي الجاد للشائعات والمعلومات المغلوطة، وذلك من خلال نشر الأخبار الموثوقة وتفنيد الشائعات، لأن الهدف هنا هو منع التفرقة والانقسام وتفاقم الأزمة.
وأضاف: من ناحية أخرى، فإن تقديم الإرشادات اللازمة من خلال تدريس قواعد السلامة، وطريقة الاحتماء، والإجراءات الواجب اتخاذها وقت وقوع المخاطر بهدف إنقاذ الأرواح وخلق وتعزيز الشعور بالجاهزية لدى الأفراد، هي جوانب أخرى من دور وسائل الإعلام.
تعزيز التضامن والتلاحم الاجتماعي
تابع قائلاً: هناك دور آخر لوسائل الإعلام يتعلق بمسألة تعزيز التضامن والتلاحم الاجتماعي من خلال عكس صوت المجتمع عبر عرض قصص وتجارب الناس العاديين، وهذا الأمر بحد ذاته يؤدي إلى خلق شعور بالتعاطف والتفاهم المتبادل، كما أن وسائل الإعلام يمكنها -خاصة في أوقات الحرب والأزمات- تعزيز روح التضحية والإيثار والفداء في المجتمع عبر إبراز دور قوات الإغاثة والعسكرية والشعبية التي تخاطر بحياتها في الخطوط الأمامية، ونحن بحاجة ماسة إلى هذه الأمور في المعركة الأخيرة.
وأشار جهان پرور إلى أنه من ناحية أخرى، فإن خلق روايات مشتركة من خلال عكس العمق الثقافي-الحضاري، والهوية الوطنية والتاريخية، والقيم المشتركة، يساهم في تقوية مشاعر التعاطف والانتماء والوحدة في المجتمع. كما أن الإدارة النفسية والعاطفية للمجتمع من خلال الحفاظ على الأمل والتفاؤل عبر نشر الأخبار المبشرة، والنجاحات الصغيرة، والآفاق المشرقة للمستقبل، لها أهمية كبيرة جداً في الحفاظ على روح المجتمع ومنع اليأس والإحباط.
ضرورة أساسية لعبور الأزمة بنجاح
وبالإشارة إلى ضرورة إيلاء الأهمية لوسائل الإعلام الحديثة في ظروف مثل الظروف الراهنة، أضاف: إن الشبكات الاجتماعية والمنصات الإلكترونية، في الأزمات والحروب، لها دور مزدوج يتمثل في كونها مصدراً للمعلومات السريعة، وفي الوقت نفسه بيئة لنشر الشائعات، وإدارة هذا الفضاء معقدة للغاية. من ناحية أخرى، فإن دور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، بالتعاون مع وسائل الإعلام الحكومية والخاصة والمؤسسات الشعبية، مهم جداً لتشكيل جبهة إعلامية موحدة ومنسقة، لذا يمكن القول إن وسائل الإعلام، من خلال أداء دورها بمسؤولية، يمكنها المساهمة بشكل كبير في تعزيز المرونة الاجتماعية، والحفاظ على التماسك الوطني والوحدة، وعبور المجتمع بنجاح من فترة الأزمة والحرب.
كما قال: هناك نقطة أخرى مهمة وهي معالجة القضايا النفسية من خلال تقديم محتوى يساعد الأفراد على إدارة التوتر والقلق والصدمات النفسية الناتجة عن ضغوط الأزمة. ومن الضروري أيضاً توفير مساحة للتعبير عن المشاعر من خلال إتاحة الفرصة للتعبير عن المخاوف والمشاعر والآمال بطريقة بناءة.
ضرورة مراعاة مقتضيات حرب الروايات
من جانبه، قال حجة الإسلام السيد محمود موسوي حسب، الباحث الحوزوي والمتخصص في الشؤون الثقافية، إن الحرب الأخيرة أثبتت أكثر من أي وقت مضى مدى حساسية حرب الروايات واحتوائها على نقاط ومكونات مهمة، مضيفاً: أعتقد أن من يفهم حقيقة حرب الروايات، سيعيد النظر حتى في نظرته إلى مفاهيم مثل الجهاد والحضور في الميدان. أحياناً نظن أنه مثلاً لا بد من قيام حرب عسكرية حتى نتمكن من الحضور في الجبهة، في حين أن الميدان الرئيسي اليوم هو ميدان المعرفة والرواية، وفي هذا المجال، يمكن للإعلاميين والمفكرين والنشطاء الثقافيين وجميع من لهم منابر أن يلعبوا دوراً رئيسياً.
وأضاف: من ناحية أخرى، في حرب الروايات، يجب ملاحظة أن سرعة إنتاج ونشر المعلومات الموثوقة هي مسألة رئيسية وحاسمة، لأن التأخير في هذا المجال يهيئ الأرضية لامتلاء الفضاء بالمعلومات غير المؤكدة. كما أن مسألة مصداقية المصادر، المهم هو أن نعرف أن المتلقي لا يقبل الرواية إلا عندما يثق بالمصدر.
لا نلعب على أرض العدو في حربه النفسية!
وأكد الباحث والناشط الثقافي أن في زمن هيمنة الشبكات الاجتماعية والمواطنين الصحفيين، فإن الفراغ المعلوماتي الرسمي يملأ بسرعة بالروايات غير الرسمية وأحياناً المغرضة. لذلك، فإن الحل ليس الصمت، بل يجب وضع الإعلام المسؤول على جدول الأعمال. كما يجب ألا نغفل عن مسألة الحرب النفسية، بمعنى أن العدو في كثير من الأحيان لا يسعى لإضعاف المجتمع بقوته العسكرية، بل بخلق القلق الاجتماعي.
أضاف: بطبيعة الحال، في مثل هذه الظروف، إذا قامت وسائل الإعلام بنشر الصور المروعة والأخبار المثيرة فقط، فإنها تلعب دون قصد على أرض الحرب النفسية للعدو. لذا فإن رسالة وسائل الإعلام وواجبها هو قول الحقيقة، لكن تنظيم الرواية بطريقة لا يؤدي إلى انهيار نفسي للمجتمع.
الدقة والمسؤولية وزرع الأمل
وختم حجة الإسلام موسوي حسب حديثه قائلاً: باختصار، إن وسائل الإعلام في المجتمع الإسلامي في زمن الحرب يجب أن تجمع بين ثلاث فضائل مهنية، وهي: الدقة، والمسؤولية، والأمل. التأكيد على مسألة الدقة هو حتى لا تصبح الحقيقة ضحية لسرعة نقل المعلومات. والإشارة إلى أهمية المسؤولية في هذا المجال هي من أجل عدم الإضرار بأمن المجتمع. وأخيراً، التأكيد على مسألة زرع الأمل يجب أن يكون بهدف ونهج ألا تتعرض روح ونفس المجتمع -لا قدر الله- للإرهاق بسبب ضغط الحرب وتداعياتها. لذا فإن وسائل الإعلام التي تجمع هذه الثلاثة، لن تكون مجرد ناقلة للحرب، بل ستساهم بشكل كبير في تعزيز القدرة الوطنية لتجاوزها.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





