وردت في القرآن الكريم، إشارات متعددة إلى جماعات وأفراد عُرضوا للّعنة الإلهية نتيجة أفعالهم ومواقفهم. من بين هذه الجماعات، يذكر القرآن بعض اليهود الذين خالفوا التوجيه الإلهي في زمن النبي (ص). وهذا يثير سؤالًا مهمًا حول طبيعة هذا اللعن وأسبابه، وما إذا كان يشمل جميع اليهود أم فئة محددة منهم.
السؤال:
لماذا يذكر القرآن الكريم أن اليهود ملعونون من الله؟ وما هو سبب ذلك؟ وهل يشمل هذا الوصف جميع اليهود؟
الجواب:
توجد آيات متعددة في القرآن الكريم تفيد أن بعض الأشخاص والجماعات، ومن بينهم اليهود، قد طالتهم اللعنة الإلهية. وفي هذا النص، سنحاول الإجابة عن سبب استحقاقهم لهذه اللعنة.
مفهوم “اللعن” في القرآن
وردت كلمة “اللعن” ومشتقاتها في القرآن الكريم 41 مرة[1]. ومعنى “اللعن” في اللغة العربية: ابتعاد الشخص عن الخير والرحمة، مما يؤدي إلى وقوعه في الغضب والسخط. فاللعن الإلهي يعني ابتعاد الشخص عن رحمة الله ولطفه، بينما لعن الناس يعني الدعاء على شخص بأن يبتعد عن رحمة الله ولطفه، وأن يحل به الغضب[2].
يكشف استعراض آيات القرآن أن الله قد لعن جماعات مختلفة من الناس، ومن أبرزهم:
- الكافرون (البقرة: 89)
- المشركون (الفتح: 6)
- المنافقون (التوبة: 68، الفتح: 6)
- كاتمو الحق (البقرة: 159)
- القتلة (النساء: 93)
- ناقضو العهود (المائدة: 13، الرعد: 25)
- الظالمون (الأعراف: 44)
- الكاذبون على الله (هود: 18)
- المؤذون لله ورسوله (الأحزاب: 57)
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل طلب الله من عباده أن يلعنوا هؤلاء أيضاً (البقرة: 159)[3]. كما هو واضح، فإن هؤلاء جميعاً، بارتكابهم أعمالاً سيئة، أقاموا حاجزاً بينهم وبين رحمة الله، فاستحقوا الغضب الإلهي، أو كما يُصطلح عليه “اللعن”.
يهود المدينة المنورة في زمن نزول القرآن
كان يهود المدينة يسكنونها قبل هجرة النبي (ص) بزمن طويل، وكانوا ينتظرون ظهور نبي آخر الزمان[4]. لذلك، كان من المتوقع أن يؤمنوا بهذا النبي الذي طالما انتظروه، وعرفوه كما يعرفون أبناءهم بفضل بشارات أنبياء بني إسرائيل[5]. لكنهم لم يؤمنوا به فحسب، بل رفضوا حتى العيش بسلام إلى جانبه. فأخذوا ينقضون عهودهم تدريجياً، وينشرون الشائعات، ويتجسسون، ويتآمرون لاغتيال النبي (ص). بل وفي أوقات الحرب، لم يكتفوا بعدم الدفاع عن وطنهم، بل تآمروا مع العدو وطعنوا مواطنيهم من الخلف[6].
سبب لعن اليهود في القرآن
لقد لعن القرآن الكريم يهود ذلك الزمان في آيات متعددة، والسبب يعود إلى الأمور التالية:
- الكفر وعدم الإيمان (البقرة: 88)
- الكفر بالقرآن وعدم الإيمان به مع العلم بحقيقته (البقرة: 89)
- كتمان الحقيقة والهدى (البقرة: 159)
- نقض العهد (المائدة: 13)
- الاعتقاد بأن يد الله مغلولة (المائدة: 64)
- العصيان وتجاوز الحدود الإلهية (المائدة: 78)
- الافتراء على السيدة مريم عليها السلام (النساء: 156)
من الواضح أنه لم يُلعن اليهود في أي آية لمجرد كونهم يهوداً، بل لأنهم ارتكبوا أفعالاً خاطئة أو اعتقدوا معتقدات باطلة، مما جعلهم يحجبون أنفسهم عن رحمة الله فيستحقون اللعن والغضب.
أهم سبب للعن اليهود في القرآن هو “الكفر” الذي يعني لغة: الرفض، وعدم القبول، وعدم الاكتراث بالشيء. ومن آثاره: النفور، والإخفاء، والتغطية. وبناءً على هذا المعنى، فكل من يرفض شيئاً كان ينبغي عليه قبوله، بل ويتجاهله، وينفر منه، ويحاول محوه وتدميره، يُعتبر كافراً[7].
لعن اليهود في الكتاب المقدس أيضاً
إن لعن الله لليهود ليس خاصاً بالقرآن فقط، بل حتى في كتابهم المقدس (التناخ) ورد أن الله قد لعنهم مرات عديدة. فمثلاً، جاء في هذا الكتاب: “ملعون من يعبد آلهة غير الله”[8]، وقد ارتكب بنو إسرائيل هذه الخطيئة مرات عديدة عبر تاريخهم[9].
الخلاصة:
تشير آيات عديدة من القرآن إلى لعن اليهود. لكن لم يُلعن اليهود في أي منها بسبب هويتهم اليهودية، بل بسبب كفرهم، ونقضهم للعهد، وعصيانهم وتجاوزهم الحدود الإلهية، وافترائهم على السيدة مريم، واعتقادهم بأن يد الله مغلولة. وبما أن “الكفر” هو العامل الأهم في لعنهم، فإن هذه اللعنة تشمل فقط أولئك اليهود الذين، مع علمهم بحقيقة الإسلام، لم يؤمنوا به فحسب، بل عادوه وحاولوا إخفاء الحقيقة وتدميرها.
لمزيد من الإطلاع:
- مهدي أكبر نجاد وأمان الله ناصري كريموند؛ “أسباب اللعن في القرآن”، مجلة “حسنا”، المجلد 4، العدد 14، خريف 2012، ص 53-77.
المصادر:
[1] غلام رضا شهركي فلاح وإلهام زرين كلاه؛ “تحليل الأوجه الدلالية لكلمة اللعن في القرآن”، دراسات قرآنية، العدد 30، صيف 2017، ص 131.
[2] حسن مصطفوي؛ “التحقيق في كلمات القرآن الكريم”، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1989، ج 10، ص 201.
[3] البقرة: 159. قال تعالى: “إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون”. واللاعنون هم الملائكة والمؤمنون (محمد بن جرير الطبري؛ جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار المعرفة، 1992، ج 2، ص 34).
[4] محمد بن سعد؛ الطبقات الكبرى، ط 2، بيروت: دار الكتب العلمية، 1998، ج 1، ص 127.
[5] البقرة: 146، الأنعام: 20.
[6] راجع: مصطفى محسني؛ “تحليل سلوك النبي الأكرم مع يهود بني قريظة في المدينة”، مجلة “مبلغان”، العدد 281، 2022، ص 28-36.
[7] حسن مصطفوي؛ المصدر السابق، ج 10، ص 80.
[8] سفر التثنية 11: 28: “بل اللعنة إن لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وتزيغوا عن الطريق الذي أوصيكم به اليوم فتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها”.
[9] سفر التثنية 29: 26: “فذهبوا وعبدوا آلهة أخرى وسجدوا لها، آلهة لم يعرفوها ولم يقسمها لهم”. وسفر إرميا 44: 3: “ذلك بسبب شرورهم التي فعلوها لإغاظتي، إذ ذهبوا ليبخروا ويعبدوا آلهة أخرى لم يعرفوها لا هم ولا آباؤكم”.
*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل