تتجلى مسألة المرجعية العلمية بعد رحيل النبي (ص) بوصفها إحدى القضايا المركزية في الفكر الإسلامي، حيث يرتبط تحديد مصدر التلقي الديني بمنهج الأمة في الفهم والاتباع عبر العصور. وفي هذا السياق يبرز موقع أهل البيت (ع) بوصفهم أحد “الثقلين” الذين اقترن التمسك بهما بالهداية وعدم الضلال.

ويحضر في هذا الإطار مشهد غدير خم بوصفه محطة مفصلية، حيث نصّب النبي الأكرم (ص) عليًا (ع) وأهل بيته للقيادة والحكم في لحظة تاريخية بالغة الدلالة، مؤكّدًا على ولايتهم وارتباطها بالمسار العقدي للأمة. كما استمر (ص) في مختلف المناسبات بالتأكيد على التمسك بالكتاب والعترة، والتحذير من الانفصال عنهما.

وعليه، فإن المرجعية العلمية، إلى جانب البعد القيادي، تُطرح بوصفها امتدادًا لأهل البيت (ع) في شؤون الدين ومصادر التلقي، وهو ما تسعى النصوص التالية إلى بيانه من خلال جملة من أقوال النبي (ص) في هذا السياق.

1. حديث الثقلين

روى أصحاب الصحاح والمسانيد عن النبي الأكرم (ص) أنه قال:

“أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا” ^(1)

وفي موضع آخر قال:

“إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا” ^(2)

وروايات أخرى قريبة من هذه المعاني.

وقد تكرر قول النبي هذا في مواقف متعددة: عند عودته من الطائف، ويوم عرفة في حجة الوداع، ويوم غدير خم، وعلى منبره في المدينة، وفي غرفته أثناء مرضه وقد امتلأت بالجمع. ولا يشك في صحة هذا الحديث إلا جاهل أو معاند، فقد رواه أكثر من عشرين صحابيًا بأسانيد مختلفة ^(3).

التأمل في هذا الحديث يفيد عصمة عترة النبي الطاهرة (ع)، لأن العترة قُرنت بالقرآن، وقد أخبر أنهما لن يفترقا. ومن المعلوم أن القرآن كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف يُعقل أن يخطئ قرينه ونظيره في القول والحكم والقضاء والتصديق؟ إن عدم افتراق القرآن والعترة إلى يوم القيامة دليل على عصمة أهل البيت في أقوالهم ورواياتهم. بل إن الحديث نفسه يقرر أن من يتمسك بالعترة لا يضل، فلو لم يكونوا معصومين عن الخطأ والخلاف، فكيف لا يضل متمسك بهم؟!

2. حديث السفينة

روى المحدثون عن النبي الأكرم (ص) أنه قال:

“إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ دَخَلَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ” ^(4)

شبّه النبي (ص) أهل بيته بسفينة نوح، بمعنى أن من رجع إليهم في الدين وتعلم منهم أصول الدين وفروعه نجا من عذاب جهنم، ومن تخلف عنهم كان كمن لجأ إلى جبل في طوفان نوح ليقيه عذاب الله، لكنه غرق في الماء، وهذا سيغرق في النار. فإذا كان هذا شأن علماء أهل البيت ومنزلتهم، فأين تتجهون؟

يقول ابن حجر:

“وجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبهم وعظّمهم شكرًا لنعمة الله، واقتدى بهدي علمائهم، نجا من ظلمات المخالفات، ومن تخلف عنهم غرق في بحر كفران النعم وهلك في فياض الطغيان” ^(5)


الهوامش:

^(1) صحيح مسلم، ج 7، ص 122؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 207؛ مسند أحمد، ج 3، ص 17، 26، 59 وج 4، ص 366، 371 وج 5، ص 182، 189. وقد أفرد “دار التقريب بين المذاهب الإسلامية” كتابًا جمع فيه جميع مصادر هذا الحديث.

^(2) نفس المصادر السابقة.

^(3) ذكر السيد مير حامد حسين الهندي أسانيد هذا الحديث وكلمات كبار العلماء حوله في ستة مجلدات من كتابه العظيم “عبقات الأنوار”.

^(4) غاية المرام، للبحراني، ص 417-434؛ المراجعات، الرسالة 8؛ حواشي إحقاق الحق، ج 9.

^(5) الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيتمي؛ نقلاً عن: غاية المرام، ص 417-434.

*ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل