تمر الأمة الإسلامية اليوم بمرحلة هي من أعقد وأدق مراحل تاريخها، حيث تتشابك فيها الصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، متجاوزة الحدود الجغرافية لتصبح معركةً على الإنسان والوعي والإرادة والحق في اتخاذ القرار والاستقلال.
الدكتورة سوسن الفضلي، المحللة السياسية اليمنية ومديرة معهد النون القرآني في اليمن، تحدثت في حوار خاص لوكالة أبنا للأنباء الدولية عن أبرز التطورات الإقليمية والدولية، ودور الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة في المعادلات السياسية والأمنية، فضلاً عن التحديات التي تواجه هذا المحور ومستقبل المشهد الإقليمي.
الحوار يحلل بأسلوب عميق الأبعاد المتعددة لدور إيران والمقاومة في المتغيرات الراهنة.
…………………………………..
الحوار: زكية منصوري
…………………………………..
كيف ترين المشهد الراهن للتطورات ومسار المقاومة ؟
تمر الأمة الإسلامية اليوم بمرحلة هي من أعقد وأدق مراحلها التاريخية، حيث تتشابك فيها الصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، وتتجاوز هذه المواجهة الحدود الجغرافية لتتحول إلى معركة على الإنسان والوعي والإرادة والحق في القرار والاستقلال.
وفي صميم هذه التحولات، يبرز “محور المقاومة” كأحد أهم تجليات إرادة الشعوب في مواجهة الظلم والهيمنة والاحتلال والتبعية. وما يستحق الفهم هو أن إدراك موقع هذا التيار في المتغيرات الراهنة يرتبط بإدراك طبيعة الصراع ذاته وأبعاده الظاهرة والخافية.
بالنظر القرآني، نجد أن مواجهة الظلم ليست خياراً أو موقفاً عابراً، بل هي مسؤولية إيمانية، إذ يقول تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ويجعل القيام لله أساس التحرر من الهوى والضغوط: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾. وبالتالي، فالقيام لله ليس رد فعل عاطفي، بل وعي بالمسؤولية، وتحرر من الخوف، ورفض لأن تكون الأمة أداة بيد الظالمين.
ومن هذا المنطلق، تواجه المقاومة اليوم معركة متعددة الطبقات: احتلالاً وعدواناً، وحصاراً اقتصادياً، وحرباً إعلامية ونفسية وثقافية. لذا، فإن المقاومة لم تعد مجرد قوة ميدانية، بل مشروعاً شاملاً يقوم على بناء القدرة وحماية الاستقلال، وصناعة الوعي وتعزيز الثقة بقدرة الأمة على مواجهة الاستكبار.
وتستمر المشروعية في تطورها، فلا بد أن تتجاوز المقاومة مرحلة “التفاعل مع الأحداث” إلى “تأسيس منظومة حضارية” متكاملة تقوم على العلم والوعي والوحدة والصبر والاستعداد.
ولا يقدم القرآن المقاومة كحركة عاطفية بلا بصيرة، بل يربط النصر بالصبر والتقوى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة بكل تحدياتها هي اختبار لإيمان الأمة ووعيها وقدرتها على الربط بين القوة المادية والثبات الروحي، وبين الفعل السياسي والعسكري والبنية الفكرية والثقافية.
أما بالنسبة للإعلام، فإن المطلوب ليس أن نكون متفرجين، بل باحثين ومميزين بين الحقائق والموضوعات والتضليل المنظم. وتكمن خطورة الحرب الإعلامية في أنها لا تستهدف صورة المقاومة فحسب، بل ثقة الشعوب بأنفسها، وتحويل الإنسان من فاعل في التاريخ إلى متلقٍ لرواية يصنعها الآخر. لذا، فإن المواجهة الإعلامية تتطلب إعلاماً صادقاً ومهنياً وواعياً، لأن القرآن جعل الكلمة مسؤولية عظمى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. فالمقابلة ليست بتضليل مقابل تضليل، بل ببناء خطاب قائم على الحقيقة، يربط بين قوة الحجة ونقاء الموقف، ويخاطب العالم بلغة العقل والعدل والكرامة.
كيف ترين محاولات الإعلام الغربي لتشويه صورة المقاومة والجمهورية الإسلامية؟
فيما يخص الإعلام الغربي ومحاولاته لتشويه صورة المقاومة وإيران، نجد أن الإعلام في العصر الحديث أصبح ساحة معركة قد تكون أخطر من المواجهة العسكرية المباشرة، لأنه يستهدف الإنسان من الداخل، ويحاول قلب نظرته إلى الحق والباطل والظالم والمظلوم والمقاومة والاحتلال.
وبالتالي، فإن الهجمات الإعلامية على المقاومة وإيران لا يمكن فهمها بمعزل عن صراع الروايات وحق الشعوب في تفسير وقائعها وتحديد مصالحها. ويشير القرآن إلى مخاطر التضليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
كما يكشف القرآن وظيفة الإعلام المضلل في خدمة الاستبداد، كما في وصف فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، فإضعاف الشعوب لا يكون دائماً بالقوة، بل بتوهين الوعي وقلب الحقائق.
وتحاول بعض المنظومات الإعلامية الغربية تقديم المقاومة بنظرة سطحية، تركز على النتائج وتفصلها عن الأسباب، وتقدم إيران في قوالب نمطية جاهزة، مع محاولة تجريد مواقفها من سياقها التاريخي والسياسي.
كيف ترين دور آية الله السيد مجتبى الخامنئي في المرحلة الراهنة وأهمية دعمه؟
إن دور القيادة في مراحل الضغوط المتشابكة يتضاعف، لأن الأزمات الكبيرة لا تحتاج إلى ردود فعل متفرقة، بل إلى قادة قادرين على قراءة الأحداث وفهم السياق التاريخي والاستراتيجي، والتمييز بين العابر والجوهري.
وفي هذا الإطار، يبرز دور آية الله السيد مجتبى الخامنئي في قيادة مرحلة تتميز بتشابك أدوات الصراع، حيث تواجه الجمهورية الإسلامية والمقاومة ضغوطاً سياسية واقتصادية وإعلامية وأمنية متلاحقة.
والقيادة في المنظور القرآني ليست امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية وأمانة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، ولا يمكن للأمة مواجهة التحديات الكبرى دون وحدة في الرواية وتماسك في الصفوف: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
وتكمن أهمية القيادة اليوم في قدرتها على الحفاظ على الاتجاه العام للمشروع، ومنع تحول الضغوط إلى انهيار داخلي. ودور السيد القائد لا يقتصر على إدارة الملفات السياسية، بل يرتبط بصناعة رواية تقوم على الاستقلال والصمود ومواجهة الهيمنة ونصرة المظلومين والحفاظ على تماسك جبهة المقاومة.
وتتجلى أهمية القيادة في زمن الحرب النفسية، حيث يحاول العدو استهداف الثقة بها وإحداث شرخ بين الأمة ومرجعياتها. ولذلك، فإن القيادة تتحمل مسؤولية كبرى في هذه المرحلة.
وهي بحاجة إلى دعم، لكن هذا الدعم لا يجب أن يكون شعاراً عاطفياً، بل سلوكاً عملياً يبدأ بالوعي، ويتعزز بالوحدة، ويتجسد بالالتزام والعمل، لأن المواقف توزن بما يتحول إلى فعل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
كيف ترسمين دور المرأة الفاعلة في العالم الإسلامي اليوم، والإجراءات التي يمكنها اتخاذها؟
فيما يتعلق بدور المرأة المقاومة والفاعلة في العالم الإسلامي، تشهد المرحلة الراهنة تحولاً عميقاً في طبيعة دور المرأة في المجتمع. فلم تعد المرأة المسلمة مجرد “متلقية للأحداث”، بل أصبحت “شريكاً أساسياً” في صناعة الوعي، وتوجيه الرأي العام، وتربية الأجيال. ومع انتقال الصراع المعاصر إلى ميادين الفكر والإعلام والثقافة والهوية، أصبحت المرأة، بفضل تأثيرها في الأسرة والمجتمع وقدرتها على بناء الوعي ونقل القيم إلى الأجيال القادمة، في صلب هذه المعركة.
كما قدّم القرآن الكريم نماذج نسائية جعلت المرأة عنصراً فاعلاً في مواجهة الاستبداد وبناء الإيمان، وفي مقدمتها “امرأة فرعون” التي أصبحت، رغم وجودها في قصر الطاغية، نموذجاً للعِتق الإيماني والاستقلال الروحي، وضربها الله مثلاً للمؤمنين: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. كما جعل القرآن السيدة مريم (عليها السلام) نموذجاً للعفّة والصبر، و”ملكة سبأ” نموذجاً للوعي السياسي والحكمة في إدارة الأزمات.
وكل هذا يؤكد أن المرأة في المنظور القرآني ليست كائناً هامشياً، بل هي صاحبة موقف، وذات رسالة، وقادرة على التأثير في التاريخ.
وفي الواقع المعاصر، تستطيع المرأة الفاعلة أن تلعب دوراً محورياً في مواجهة “الحرب الناعمة”، ليس فقط من خلال الخطب العاطفية، بل عبر “بناء المعرفة”، و”إنتاج المحتوى”، وتقديم “رواية واعية” تدافع عن قضايا الأمة، بلغة تربط بين “الإيمان والعقل والإنسانية”. وهذه المرأة قادرة على مواجهة الشائعات، وكشف التضليل، وتربية أبنائها على الوعي، ودعم أسر الشهداء والمتضررين، وبناء شبكات نسوية قوية قادرة على التعاون والتأثير.
وينبغي أن ينتقل دور المرأة في هذه المرحلة من مجرد “رد الفعل” إلى “المبادرة”، بحضورها في الإعلام والثقافة والتعليم والنشاط الاجتماعي، واستخدام أدوات العصر لـ”زيادة الوعي”، وتقديم نموذج المرأة المؤمنة التي لا تفصل بين عبادتها ومسؤولياتها الاجتماعية.
ففي القرآن، “الإمامة” ليست اعتزالاً لقضايا الناس، بل هي موقف ومسؤولية؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. ومن هنا، فإن المرأة المسلمة الفاعلة في المقاومة يمكن أن تكون عنصراً أساسياً في حماية الهوية، وصناعة الوعي، والحفاظ على تماسك الأسرة، ومواجهة التضليل، ودعم قضايا المستضعفين، والمساهمة في بناء مجتمع صامد في وجه الظلم والتبعية.
فالمقاومة لا تبدأ فقط في ساحة المعركة، بل تبدأ من “الوعي”؛ والوعي يبدأ من المدرسة، والبيت، والمنبر، والإعلام… والمرأة حاضرة في كل هذه الميادين. ومن ثم، فإن دورها في مشروع الأمة ليس دوراً هامشياً أو ثانوياً، بل هو جزء من مسؤوليتها الإيمانية والحضارية والتاريخية.





