Search
Close this search box.

الحرب الناعمة ومعادلة الانتصار

الحرب الناعمة ومعادلة الانتصار

سماحة السيد هاشم صفي الدين

يختلف الخطاب الثقافيّ المخصّص لمواجهة الحرب الناعمة عن موضوع الخطاب الثقافيّ الإسلاميّ المواكب، وقدرته بالمطلق والعموم، ومدى تقليديّته أو تقدميّته، ويجب التمييز بينهما.

* الخطاب الإسلاميّ بين المواكبة والمواجهة

الخطاب الثقافيّ الذي ينبغي أن يواجه الحرب الناعمة يجب أن يكون خطاباً واعياً يتميّز بالمعرفة والشجاعة، مدعوماً بالقوّة والقدرة، قوّة الدفاع والحقّ. لذا، فإنّ النخب التي تفتقر إلى القوّة، والتي تعبّر عن ثقافتها، يبقى كلامها نخبويّاً، وبعيداً عن التطبيق.

وهذا ما يُدخلنا إلى الاستراتيجيّة المتّبعة لمواجهة الحرب الناعمة وبين ما فعلته المقاومة في إنجازاتها وقضاياها.

* المشروع المقاوم والمواجهة

لقد اعتمدت المقاومة في مواجهة هذه الحرب الناعمة على استراتيجيات عدّة، منها: الوعي، المعرفة، التصدّي، الثقة بالنفس وإدارة هذه المعركة المعرفيّة، والثقافيّة، والإعلاميّة، والسياسيّة بطريقة متوائمة، ومتناسبة مع طبيعة العمل المقاوم الذي يحقّق إنجازات على الأرض.

ولم تكن هذه المواجهة مواجهة الضعيف، بل مواجهة القويّ، الذي يحقّق انتصارات وإنجازات… هناك مجموعة من الأسئلة والتساؤلات إذا جمعناها ووجدنا إجابات كافية وافية لها ستجعل المواجهة والمشروع المقاوم متكاملاً في أبعاده المختلفة.

* البعد العسكريّ الميدانيّ

أحد أبعاد المواجهة الأساسيّة هو البعد العسكريّ الميدانيّ، بل هو رأس الحربة. والأبعاد الأخرى تلتقي حتماً في خدمة رأس الحربة العسكريّ القتاليّ الذي يحقّق الإنجازات، وحين تدعم هذا المشروع المقاوم وتنهض به، تحقّق ذاتها في الثقافة وفي المجتمع.

يحاول الكثير من المحلّلين وعدد كبير من الدراسات والأبحاث في هذا العالم، أن يفتّشوا عن أسباب ونقاط القوة الكامنة في هذه المقاومة، وقد أصاب بعضهم في إدراك اهتمام المقاومة بالبعد الاجتماعيّ، والتربويّ، والثقافيّ، والصحّيّ والإنمائيّ في المجتمع، هذا طبيعيّ.

* الاستراتيجية الإعلامية والدور المطلوب

يجب الاستفادة من الإعلام في إطار التحصين، ويجب الاستفادة من التلفزيون، على وجه الخصوص، لأنّ خطورته تكمن في تلقّي المشاهد وقبوله لثقافة الآخر، وعندها من الطبيعيّ أن تنقلب ثقافته وأولويّاته مع مرور الزمن.. وهذه حقيقة.

1- التلفزيون والإعلام

من هنا، فإنّه ينبغي فَهم خطورة الحرب الناعمة، وأن نعرّف هذا الخطر الذي يحتاج دَفعه إلى جهودٍ مضنية وجبارة. وهذه هي المقاومة الحقيقية التي تُجمع فيها هذه الجهود، ويتمّ التعاطي مع كلّ إمكانية لقَلبها إلى واقع. ومع كلّ طاقة لجعلها استثماراً في مواجهة هذه الحرب، وهذه هي المعركة والمقاومة الحقيقية.

لهذا، في الموضوع الثقافي يلعب التلفزيون، بلا شكّ، دوراً مؤثراً وأساسيّاً في تكوين الثقافة المجتمعيّة والثقافة العامّة. ومن الطبيعيّ، أن نحضر في الساحة لا لنتحدّث عن الثقافة الأخرى التي تريد أن تقتحم بيوتنا ومجتمعنا، بل لنقدّم أنفسنا.

2- وسائل التواصل الاجتماعيّ

إنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ من الأمور المهمّة والضروريّة واليوميّة لجيل الشباب، بغضّ النظر كيف نشأت ولأيّة أهداف ولأيّ غرض…
ما يجب الالتفات إليه. عندما أتحدّث عن واقع موجود لا يعني الاستسلام لكلّ هذا الواقع، بل أن نسأل ونعرف التكليف اتّجاه هذا الواقع الموجود.

شبكات التواصل الاجتماعيّ مهمّة ولها فوائد علميّة وبحثيّة واجتماعية… إلخ، ولكن علينا أن ندخل إلى هذه الشبكات بذكاء؛ لأنّ من مفرداتها، كما في أي عمل دعائيّ آخر، لعبة الأرقام. وهذه مسألة دقيقة وينبغي معرفتها.
إنّنا في المقاومة وفي مجتمع المقاومة ما زالت مساهماتنا متواضعة في هذا المجال. ولكن هناك مشاريع واستراتيجيات تُدرس وتُبحث للدخول إلى هذا العالم ولتحقيق ما ينسجم مع تطلّعاتنا وأهدافنا وقيمنا.

ينبغي أن نعلم أن من الأدوات الفاعلة لتحقيق أهداف الحرب الناعمة وسائل التواصل الاجتماعيّ. وعلى الرغم من إيجابياتها إلّا أنّ لها سلبيّات ومخاطر كبيرة جداً. وهذا ما يتطلّب المعرفة والتمييز بين الاستخدام الصحيح والسقيم، وبين السيّئ والحسن لتكون مواجهتنا لها مواجهة صحيحة وفي محلّها.

* نجاح المواجهة

نجح مجتمع المقاومة في مواجهة الحرب الناعمة، لكنّه كان نجاحاً جزئيّاً. تمّ ذلك حين استطاع المجتمع المقاوم إنتاج فكر مقاوم، وأجيال مقاومة، حين وصلنا إلى مرحلة يفتخر أيّ إنسان منّا بالانتماء للمقاومة، وبالشعور الذي يجعله منسجماً مع تاريخه وثقافته، لا بل تمكّنت المقاومة أن تقلب الأزمة إلى الطرف الآخر أحياناً في بعض العناوين والمفردات. نحن عشنا مع انتصارات المقاومة وفي المقابل نرى الصهيونيّ يعيش حالة التشكيك حتّى في مشروعيّة وجوده…

تمثلّ نجاح مجتمع المقاومة بوجود عشرات الآلاف من الشباب والعائلات المعطاءة والقادرة والحاضرة في الساحة بشكل دائم.

إنّ مجتمعنا المقاوم في لبنان، وفي كلّ محيطنا العربيّ والإسلاميّ، وعلى الرغم من كلّ الأحداث، استطاع أن يبقى متمسّكاً بمقاومته، راسخاً على نهجه ومليئاً بالأمل بالانتصارات.

نحن من جهتنا ليس لدينا مفهوم واستراتيجية شنّ حروب ناعمة، الذي يحتاج إلى الحرب الناعمة هو المتستّر والمتخفّي (من يخفي شيئاً ويظهر غيره). أمّا نحن، فمشروعنا واضح نطرحه بقِيَمه ومفرداته وأهدافه، وما نطرحه في الحرب الصلبة نطرحه في الحرب الناعمة، وما في الباطن هو علنيّ في الظاهر، نحن نمتلك فكراً، ونهجاً يعبّر عن نفسه تارة بالمواجهة العسكرية دفاعاً ومقاومة، وتارة بالموقف الثقافيّ، وتارة أخرى بالموقف السياسي.

* المعادلة الذهبية للانتصار في الحرب الناعمة

لكي نكون على معرفة دقيقة على المستوى العلميّ والمعرفيّ نعتقد أن هناك نتيجة وهناك شرطاً.

في النتيجة، ليس هناك أدنى شك في أنّ هذا النهج المقاوم في كلّ تجلّياته (العسكريّة، والثقافيّة، والسياسيّة، والتربويّة والإعلاميّة) هو مجتمع متكامل، ولا يعيش عقدة التاريخ ولا عقدة النقص ولا عقدة الضعف، بل يعيش زهو الانتماء إلى هذا التاريخ، يفخر بقادته، يفخر بأنبيائه، وأئمته، ومفكّريه وبكلّ ما قدّموه للبشريّة… وهذا المجتمع يعرف أننا ذاهبون إلى نصر مؤكّد وحتميّ، في نهاية المطاف. لقد عرفت المقاومة طريقها منذ البداية، عرفت أهدافها جيّداً، لم تبدّل ولن تغيّر بإذن الله.

النتيجة محسومة ومحسوبة طال الزمن أو قصر المهم بالنسبة إلينا هو القضية والمشروع…

أما على مستوى صياغة معادلة الحرب الناعمة، فالمعادلة من وجهة نظرنا وبشكل مختصر وموجز: أصالة، ثقافة، وعي سياسيّ وشجاعة.
وللتدقيق أعتقد أن كلّ واحدة من هذه الفقرات هي أساس للآخر.

(*) هذا المقال عبارة عن حلقة حواريّة حول الحرب الناعمة أجراها تلفزيون المنار مع سماحة السيّد هاشم صفيّ الدين ضمن برنامج “أحسن الحديث” بتاريخ ت2/2015، نقدّمه للقرّاء الأعزّاء لأهميّته ولإضاءته على العديد من جوانب الحرب الناعمة التي تحيط ببيئتنا المقاومة.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل