كيف أعرف أن غضبي طبيعي ولا أحتاج إلى مراجعة اختصاصيّ نفسي؟

من الأسئلة التي يطرحها بعض الأشخاص باستمرار حول سلوكهم الغاضب: هل أنا بحاجة فعلًا إلى علاج الغضب، أم أنّ ما أمرّ به حالة طبيعيّة لا تستدعي تدخّلًا علاجيًّا؟

ويقوم حجّة الإسلام حجّة الله صفري، الأخصّائيّ النفسيّ والمعالج في مجال الاضطرابات السلوكيّة، بالإجابة عن هذا التساؤل: متى يكون الغضب طبيعيًّا، ومتى ينبغي الالتفات إلى أنّه خرج عن مساره الإيجابيّ ويحتاج إلى إصلاح؟

للإجابة عن هذا السؤال، يمكن الالتفات إلى عدد من المؤشّرات المهمّة:

أوّلًا: وعي الشخص بتغيّر حالته الداخليّة

غالبًا ما يلاحظ الإنسان بنفسه حدوث تغيّر في حالاته النفسيّة الداخليّة. فعلى سبيل المثال، يشعر بأنّه فقد هدوءه المعتاد، وأنّ نوعًا من الاضطراب الدائم بات يُخيّم على حياته.

وقد يقول في نفسه: «لم أكن على هذا النحو سابقًا، أمّا الآن فقد أصبح الغضب يؤثّر في حياتي وكلّ جوانبها».

إنّ هذا الإدراك الداخليّ يُعدّ علامة جديّة لا ينبغي الاستهانة بها.

ثانيًا: ملاحظات وردود فعل المحيطين

يمكن أن تُشكّل ملاحظات الآخرين مؤشّرًا بالغ الأهميّة. فعندما يكرّر الزوج أو الزوجة، أو الأبناء، أو الوالدان، أو الزملاء في العمل، التنبيه إلى أنّ الشخص أصبح شديد العصبيّة أو أنّ ردود أفعاله غير طبيعيّة، فإنّ هذه إشارة واضحة لا يجوز تجاهلها.

ثالثًا: تأثير الغضب على العلاقات الاجتماعيّة

ينبغي التنبّه إلى أثر الغضب على العلاقات الاجتماعيّة. فعندما تؤدّي العدوانيّة إلى شعور الفرد بالوحدة، وخسارته لعلاقاته، ودخوله في نزاعات متكرّرة مع أشخاص مختلفين خلال فترة زمنيّة قصيرة، فإنّ ذلك يدلّ على خروج الغضب عن حالة التوازن.

فعلى سبيل المثال، قد نجد شخصًا يدخل باستمرار في مشاجرات أثناء القيادة، أو خلال التسوّق اليوميّ، أو في بيئة العمل. إنّ هذه الحالة تعبّر بوضوح عن أنّ الغضب لم يعد طبيعيًّا ولا خاضعًا للسيطرة.

رابعًا: فقدان التناسب في السلوك

يجب أيضًا التحقّق ممّا إذا كان سلوك الشخص قد خرج عن حدّ التناسب أم لا. فإذا أدّى الغضب إلى سلوكيّات مدمّرة، فإنّ ذلك يُعدّ دليلًا على عدم طبيعيّته.

ومن الأمثلة على ذلك:

  • شخص لم يكن يستخدم الألفاظ النابية سابقًا، لكنّه بات يلجأ إلى السبّ والشتم.
  • أو شخص لم يكن له تاريخ في العنف الجسديّ، ثمّ أصبح يعتدي على الآخرين بالضرب.
  • أو فرد لم يكن معتادًا على الغيبة، ثمّ وقع فيها لاحقًا.

جميع هذه الحالات تُعدّ علامات واضحة على أنّ الغضب تجاوز حدوده الطبيعيّة.

تصنيف العدوانيّة من منظور علم النفس

من الناحية النفسيّة، تُقسَّم العدوانيّة إلى نوعين رئيسيين:

  • العدوانيّة النشطة (Aggressive–Sadistic): وتشمل سلوكيات مثل الصراخ، والسبّ، والاعتداء الجسديّ.
  • العدوانيّة السلبيّة (Passive–Aggressive): وتشمل سلوكيات مثل المقاطعة والهجر، والتلميح اللاذع، وعدم أداء الواجبات على نحوٍ صحيح، وتجاهل الآخرين، أو الانسحاب من العلاقات الاجتماعيّة.

وفي كلتا الحالتين، تدفع هذه الأنماط من العدوانيّة الإنسان نحو العزلة والشعور بالوحدة، كما تُضعف جودة العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة.

علامة خطيرة: تحوّل الغضب إلى سلوك لا إراديّ وخطير

ومن العلامات البالغة الخطورة، أن يتحوّل الغضب إلى أفعال غير إراديّة ومهدِّدة.

فقد يُقدم شخص، في لحظة من شدّة الغضب، على معاقبة ابنه بطريقة تنطوي على أذى، أو تصل إلى حدّ التهديد بالخنق. وفي مثل هذه الحالات يُقال اصطلاحًا إنّ «الدم لا يصل إلى الدماغ»، أي إنّ القدرة على التفكير العقلانيّ تتعطّل.

التفسير العصبيّ

من منظور علم الأعصاب، فإنّ الجزء المعروف بـ القشرة الجبهيّة أو الفصّ الأماميّ من الدماغ هو المسؤول عن تحقيق الاستقرار الانفعاليّ وضبط السلوك. وهذا الجزء يساعد الإنسان على تقييم عواقب أفعاله قبل الانخراط في انفعال شديد.

عند الأشخاص الذين يتمتّعون بدرجة عالية من الاستقرار الانفعاليّ، يعمل هذا الجزء بكفاءة، فتُضبط الانفعالات.

أمّا لدى الأشخاص ذوي العدوانيّة الشديدة، فإنّ الجزء الانفعاليّ من الدماغ يصبح أكثر نشاطًا، فيما يتعطّل عمليًّا دور الجزء العقلانيّ؛ ولذلك تصدر عنهم سلوكيات غير منطقيّة وغير قابلة للسيطرة.

كيف يمكن مواجهة هذه الحالات؟

للحدّ من هذه السلوكيات الخطيرة، لا بدّ من تعلّم وممارسة مهارات مثل:

  • تقنيات الاسترخاء والتهدئة
  • الإيحاءات الإيجابيّة
  • الحوار الداخليّ الواعي
  • الذكر والدعاء
  • مغادرة المكان المثير للانفعال

وذلك بهدف منع تطوّر الغضب إلى أفعال مؤذية.

ملاحظة مهمّة

ينبغي الالتفات إلى أنّ سلوكًا عدوانيًّا بسيطًا ونادرًا — كأن يُقدم أب، خلال سنوات طويلة من تربية عدّة أبناء، على توجيه ضربة واحدة لابنه بدافع الغضب — لا يُعدّ بحدّ ذاته دليلًا على مشكلة نفسيّة خطيرة.

المعيار الأساسيّ هو التكرار، والشدّة، والاستمراريّة.

الخلاصة

إنّ القلق الحقيقيّ يبدأ عندما تصبح العدوانيّة متكرّرة وشديدة، وتترك آثارًا مدمّرة على الفرد وعلى محيطه الأسريّ والاجتماعيّ.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: هل كان النبي صلى الله عليه وآله يقرأ ويكتب قبل البعثة وبعدها؟
إجابة مختصرة على أربعة أسئلة مهمة من حياة الإمام الجواد عليه السلام
ما هو اعتقاد أهل السنة فیما یتعلق بالامام المهدي (علیه السلام)؟
معرفة الله عند الأطفال | ما هو شكلُ الله؟
هل كان لـ«بساط» سليمان (ع) حقيقة تاريخية؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل