إشراق العبودية؛ في أيّ سنٍّ نُحبب الصغار في الصلاة؟

لا ينبغي أن يكون تعليم الصلاة للناشئة والاطفال أمراً مفاجئاً أو قسرياً، بل يجب أن يتشكل عَبْر التدرّب، والمحبّة، والاقتداء بالوالدين؛ كما كان نهج الإمام الخميني (قدس سره) في تشجيع الأطفال على أداء الصلاة قبل بلوغ سن التكليف الشرعي.

وفقاً لتقرير وكالة أنباء “حوزة”، فإنَّ التربية الدينية تبدأ جذورها منذ نعومة الأظفار؛ إذ يتعيّن على الوالدين -من خلال السلوك والتحفيز- تعريف الطفل تدريجياً، ما بين سن الخامسة والتاسعة، بمبادئ الوضوء والصلاة ومعنى العبودية لله، حتى تصبح العبادة في وجدانه فعلاً طبيعياً ومحبباً.

السؤال: في أيّ سنٍّ نبدأ بترغيب الأطفال في أداء الصلاة؟

الإجابة:

تمهيد: تُعدُّ التربية الدينية للأبناء من أدقِّ المسؤوليات لدى الوالدين وأكثرها حساسية؛ وهي مهمةٌ تتطلب مهارةً فائقة، وصبراً جميلاً، وإدراكاً عميقاً لنفسية الطفل. وفي هذا المسار، قد يؤدي الإفراط أو التفريط إلى نتائج عكسية تماماً. إنَّ الصلاة -باعتبارها عمود الدين- إذا استقرت في قلب الطفل وعقله منذ سنواته الأولى، فلن تكون مجرد عادة رتيبة، بل ستتحول إلى عشقٍ معنوي مستدام. والوقت الأمثل لبدء هذه المسيرة التربوية هو “ما قبل سن التكليف”؛ أي في المرحلة التي يكون فيها ذهن الطفل مستعداً للتلقي ومحاكاة سلوك الوالدين والبيئة المحيطة.

منهجية ترغيب الأطفال في الصلاة:

أ) دقة العملية التربوية: إنّ التربية الدينية للأبناء عملية بالغة الدقة وتستوجب رعايةً تامة. فأحياناً تؤدي المتغيرات والظواهر الاجتماعية إلى خروج الأبناء عن دائرة ضبط الأسرة؛ ومن هنا وجب التعامل بمهارة عالية في هذا الملف. ومع كَوْن الأبوين يمثلان عنصر الحنان والشفقة، إلا أنهما قد يقعان أحياناً في شرك الإفراط أو التفريط. إنَّ أهم الأساليب في تربية الطفل تتمثل في “الترغيب والترهيب” (الثواب والعقاب النفسي) و”رفع مستوى الوعي”، شريطة أن يُستخدم كل أسلوب في موضعه وبقدره المعلوم، مع ضرورة الالتفات إلى دور البيئة والمجتمع المحيط في التأثير على سلوك الطفل.

ب) استثمار سنوات ما قبل التكليف: يرتكز الجوهر التربوي للأبناء على السنوات التي تسبق سن التكليف الشّرعي، وهي الفترة الذهبية لتعليم آداب “الصلاة”. يجب على الوالدين والمحيطين بالطفل تقديم التعليم اللازم عَبْر “القدوة السلوكية”؛ بمعنى أن يسود البيت حراكٌ إيمانيٌّ خاص مع أول الوقت، فيقوم الجميع لأداء الصلاة. فالطفل يختزن كل ما يراه ويشرع في محاكاته، لاسيما إذا اقترن ذلك بالتشجيع والثناء.

بناءً على ذلك، تبدأ التربية في هذه الجوانب منذ الطفولة المبكرة؛ فبمجرد وصول الطفل إلى سن السادسة، ينبغي البدء بتدريبه تدريجياً على آداب الوضوء وكيفية الصلاة.

يقول أحد المتخصصين في شؤون التربية: “صحيحٌ أنَّ الأبناء لا تكليف عليهم قبل البلوغ، إلا أنه لا يمكن إرجاء أداء الوظائف الدينية إلى لحظة البلوغ حصراً. يجب أن يعتاد الإنسان على العبادة منذ طفولته حتى تترسخ الرغبة فيها عند بلوغه”. غالب القول إن الطفل يبدأ منذ سن الخامسة -وربما قبل ذلك بقليل- بتعلم سورتيِ الحمد والإخلاص تدريجياً، ويجب على الوالدين تعليمه إياهما، ثم تتبعها بقية الأذكار الصلاة على ذات المنوال.

وعندما يتقن الصلاة ويصل إلى سن السادسة أو السابعة، يوجهه الوالدان للمواظبة عليها ويقومون بتذكيره بأوقاتها. فإذا تهيأ الأبوان للصلاة في أول الوقت، ذكّروا الصغار بأن وقت الصلاة قد حان، مذكرين إياهم بالقول: “لا تنسَ صلاتك”. أما عند وصوله إلى سن التاسعة، فينبغي حثّه على الصلاة بأسلوبٍ أكثر حزماً وجِدّية(١).

نَفحات من سيرة الإمام الخميني (رضوان الله عليه):

وفي الختام، نورد خاطرة من سيرة سماحة الإمام الخميني (قدس سره)؛ إذ كان الإمام يعتقد بضرورة بيان الحلال والحرام والمسائل الشرعية للأطفال قبل وصولهم سن التكليف. وكان كلما رأى سبطه البالغ من العمر ثماني سنوات، يسأله: هل صليت صلاتك؟».
فيقولون له: «يا سماحة الإمام، إنه لم يبلغ سن التكليف بعد».
فكان (قدس سره) يجيب: «يجب على الأطفال أن يقفوا تجاه القبلة للصلاة قبل سن التكليف حتى يألفوها وتصبح لهم عادة».
أما بعد بلوغ سن التكليف، فمن ذا الذي كان يجرؤ على البقاء مستيقظاً دون أن يؤدي صلاته! فلم يكن الإمام يطيق أن يرى مُكلفاً يقضي صلاته (يفوت وقتها)؛ وبالطبع لم يكن هذا يحدث من الأطفال.
وكان كلما التقاهم، سألهم: «هل صليتم؟»، فإذا لم يكونوا قد صلوا بعد، كان يناولهم سجادة الصلاة ويقول: «اذهب وتوضأ ثم عُد لتصلي».
وبعد الصلاة كان ينصحهم قائلاً: «انظر، لو أنك صليت هذه الصلاة في وقتها، كم كان ذلك أفضل؟ الله أيضاً يحب ذلك»(۲).

الخلاصة:
إن تعليم الصلاة للأطفال يجب أن ينطلق من قناة الرفق والتشجيع والقدوة، ليتشكل تدريجياً في قالب تمرينات بسيطة تبدأ من سن الخامسة أو السادسة. وعلى الوالدين أن يحيوا الأجواء المعنوية في المنزل عند حلول وقت الصلاة، لكي يدرك الطفل أن هذا العمل جزءٌ طبيعي وعذب من مفاصل الحياة. ويجب أن تترسخ هذه التربية قبل سن التكليف، لكي يكون إقبال الطفل على الصلاة بعد ذلك نابعاً من اختيار واعٍ ورغبة قلبية، لا عن إجبار وقهر. وتُظهر تجارب العظماء، ومنهم الإمام الخميني (رحمه الله)، أن تعويد الأطفال على الصلاة قبل سن التكليف هو الضمانة الأسمى لاستمرارها وثباتها في المستقبل.



الهوامش:
١. منهج التربية (آیین تربیت)، إبراهيم أميني، ص 321.
٢. الإمام في خندق الصلاة (امام در سنگر نماز)، ص 101.

المصدر:
كتاب مئة وعشرة أسئلة وأجوبة حول الصلاة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال : ارجو التفصيل في سند هذا الحديث أبو علي الأشعري، عن عبد الله بن موسى، عن الحسن بن علي الوشاء قال:
سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: إن لكل إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة ؟
﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾.. هل يدلُّ على الإلجاء والجبر؟
السؤال : كيف يستدل على إمامة أهل البيت بآية إني جاعلك رغم أن من معاني إمامتهم الخلافة وإمامة النبي ابراهيم ليس لها علاقة بالخلافة ؟
السؤال: يقول صديقي إن الزهد يؤدّي إلى التخلّف الاجتماعي والاقتصادي؛ فهل هذا الكلام صحيح؟
الأحكام الشرعية | ذكر «وَعَجِّلْ فَرَجَهُم» بعد الصلوات في الصلاة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل