تحويل التهديد إلى فرصةٍ في الاختبار الكبير للحرب.. صناعة الفرص من رحم التهديدات، ركيزةٌ أساسيّةٌ للانتصار على العدوّ المعتدي

إنّ الانتصار على العدوّ الخبيث والمعتدي، الذي لا يلتزم بعهدٍ ولا ميثاقٍ، يقتضي تحويل التهديدات القائمة إلى فرصٍ حقيقيّةٍ تسهم في تعزيز اقتدار إيران العزيزة وترسيخ قوتها.

 إنّ العام المنصرم، بما تضمّنه من حربين مفروضتين شنّتهما رؤوس الشرّ في نظام الهيمنة العالميّة، أي الولايات المتّحدة الأمريكيّة المجرمة والكيان الصهيونيّ المتعطّش للدماء، فضلًا عمّا شهدته البلاد من محاولة شبه انقلابٍ، قد أثبت مدى تأثير الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة ومحوريّتها وإلهامها في المعادلات الإقليميّة والدوليّة؛ الأمر الذي جعلها شوكةً في عيون القوى الاستكباريّة والشيطانيّة، ممّا أثار رعبها ودفعها لارتكاب حماقاتٍ وتجاوزاتٍ سافرةٍ ضدّها.

استذكارٌ لذلك الصباح الدامي

إنّنا في مثل هذا اليوم [13 يونيو] الذي صادف صباحًا داميًا من العام الماضي وبداية حرب الأيّام الـ 12، شهدنا استشهاد ثُلّةٍ من خيرة قادتنا العسكريّين وأكثرهم قيمةً وأثرًا؛ أولئك الذين كانوا حقًّا مهندسي الاقتدار العسكريّ لإيران على مدى العقود الثلاثة الماضية، والذين بلغوا بالقوى العسكريّة للبلاد ذروة النضج والجاهزيّة بعزيمتهم الصلبة وإخلاصهم العميق وتوكّلهم على اللّه تعالى، بحيث إنّ هجوم العدوّ الجبان والاستشهاد المباغت لقادة الصفّ الأوّل لم يؤدّيا البتّة إلى تراجع إيران الإسلاميّة أو انكسارها أو مفاجأتها، بل على النقيض من ذلك، انطلقت خلال تلك الأيّام الاثني عشر حممٌ نيرانيّةٌ كثيفةٌ صوب ثغور العدوّ، ودكّت مواقع متعدّدةً في الأراضي المحتلّة، ممّا أرغم الصهاينة على الاستجداء طلبًا لوقف إطلاق النار.

بالتأكيد، إنّنا فقدنا في الحربين المفروضتين الثانية والثالثة رجالًا عظامًا ما برحنا نفجع بفقدهم، ولاسيّما قائدنا الشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) الذي كان فريد عصره ونادرة زمانه، بيد أنّ هذه الأثمان إنّما ندفعها في سبيل تحقيق وتثبيت عزّتنا وعظمتنا واستقلالنا وحريّتنا، وفي كلمةٍ واحدةٍ لصناعة “إيران القويّة”، وقد أثبت شعبنا طوال هذه الفترة أنّه ليس من طبيعته الاستسلام أو التراجع أمام العدوّ المعتدي.

اكتساب الجاهزيّة للاستعراض القوّيّ في حرب رمضان

ويرى الخبراء والمختصّون في هذا المجال أنّ حرب الـ12 يومًا شكّلت، قبل أيّ شيءٍ، مناوراتٍ ميدانيّةً حقيقيّةً واختبارًا عمليًّا واقعيًّا أتاح لأركان الحكومة في البلاد، ولا سيّما القوّات المسلّحة، الاستعداد لمواجهةٍ كبرى تمثّلت في الحرب المفروضة الثالثة، ولذا فإنّ هذه الجاهزيّة نفسها مكنّت إيران الإسلاميّة، منذ اللحظات الأولى لبدء العدوان الأخير، من فتح نيرانها المناسبة باتجاه العدوّ، واتخاذ الإجراءات اللازمة في مضيق هرمز، ليتحوّل صمودها الاستثنائيّ في مواجهة قوّتين نوويّتين إلى نقطة تحوّلٍ عالميّةٍ بارزةٍ.

الدرس الذي ينبغي أن نتعلّمه من التاريخ

وكتب الناشط الإعلاميّ والصحفيّ مسعود بيرهاديّ، مؤكّدًا أنّ حرب الـ12 يومًا وحرب رمضان وضعتا أمامنا مجموعةً من الدروس الاستراتيجيّة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، قائلًا: إنّ التاريخ جامعةٌ تدفع الشعوب أجورها من دمائها وآلامها، غير أنّ الشعوب الفطنة تصنع من كلّ تجربةٍ رصيدًا للمستقبل، ولا تسمح بأن تذهب التضحيات سدىً. ويتمثّل الدرس الأوّل المستفاد من الحربين المفروضتين الأخيرتين في عدم جواز حسن الظنّ الإستراتيجيّ بالعدوّ الغدّار. فالغفلة عن حقيقة العدوّ أكثر كلفةً من المبالغة في تقدير قوّته. إنّ العدوّ الذي يملك سجلًّا طويلًا في نقض العهود والخداع والحرب النفسيّة واستخدام مختلف الوسائل للإضرار بخصومه، لا ينبغي تقييمه على أساس شعاراته ومواقفه الدبلوماسيّة، بل يجب تقييمه على ضوء سلوكه العمليّ. وقد دعا القرآن الكريم المؤمنين إلى اليقظة والحذر، وحذّر مرارًا من الوقوع في شراك الأعداء. فالثقة غير المبرّرة بالعدوّ ليست دليلًا على العقلانيّة، بل هي علامةٌ على نسيان العبر التاريخيّة.

وأضاف في موضعٍ آخر من تحليله: أمّا الدرس الثاني فيكمن في ضرورة الجاهزيّة الدائمة، إذ إنّ من أبرز خصائص الأعداء الأقوياء أنّهم يختارون بأنفسهم توقيت الهجوم. فهم ينتظرون اللحظة التي يكون فيها الطرف المقابل في أدنى درجات الاستعداد. ومن هنا، فإنّ المجتمع الذي يؤجّل بناء جاهزيّته إلى زمن الأزمات يكون قد تنازل مسبقًا عن جزءٍ من ساحة المواجهة. والجاهزيّة لا تعني امتلاك المعدّات العسكريّة فحسب، بل تشمل كذلك الجاهزيّة الاقتصاديّة والإعلاميّة والأمنيّة والتقنيّة والثقافيّة، باعتبارها جميعًا مكوّناتٍ أساسيّةً لقوّة الردع.

تعزيز الوحدة الوطنيّة؛ ضرورةٌ في كلّ المراحل

ومن أبرز القضايا التي شدّد عليها هذا الناشط الإعلاميّ والصحفيّ أيضًا قضيّة الحفاظ على الوحدة الوطنيّة وتعزيزها، وهي من أهمّ المتطلّبات في المرحلة الراهنة؛ ذلك أنّ الانقسامات الداخليّة كانت على الدوام من أخطر الثغرات التي ينفذ منها الأعداء في مختلف الحروب الكبرى عبر التاريخ. ونحن نعلم تاريخيًّا أنّ العدوّ يبلغ ذروة نجاحه عندما ينجح في تحويل المجتمع المستهدف إلى معسكراتٍ متناحرةٍ.

وتكتسب هذه المسألة أهمّيّةً بالغةً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ الاختلاف في الآراء أمرٌ طبيعيّ، غير أنّ تحويل اختلاف الآراء إلى صراعٍ استنزافيٍّ يمثّل، في حقيقة الأمر، خدمةً لمشاريع الأعداء. كما أثبتت التجارب التاريخيّة أنّ الشعوب المتّحدة قادرةٌ على تجاوز الأزمات حتّى في ظروف الضعف النسبيّ، في حين أنّ المجتمعات المنقسمة قد تتعرّض للهزيمة رغم ما تمتلكه من إمكاناتٍ كبيرةٍ.

ضرورة تحويل تجربة الحرب إلى منظومةٍ مستدامةٍ للاقتدار الوطنيّ

وأخيرًا، فإنّ المرحلة التي تفرضها ظروف الحرب تقتضي، إلى جانب تعزيز الوحدة الداخليّة ورفع مستوى الجاهزيّة الدفاعيّة والعسكريّة، العمل على تحويل تجربة الحرب إلى منظومةٍ مستدامةٍ لإنتاج الاقتدار الوطنيّ؛ إذ إنّ الحرب، إذا أُحسن فهمها واستيعاب دروسها، تتحوّل إلى مدرسةٍ متكاملةٍ تساعدنا كثيرًا على معالجة مكامن الضعف وتعزيز عناصر القوّة، بما يرسّخ أسس الاقتدار الوطنيّ ويؤمّن مستقبلًا أكثر ثباتًا وصلابةً.

إعداد: السيّد محمّد مهدي الموسويّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*إنّ “حرب الـ 12 يومًا” يُقصد بها الحرب التي استمرّت اثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل (13-24 يونيو 2025م)، أمّا “حرب رمضان” فيُقصد بها الحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة على إيران عام 2026م (التي بدأت في 28 فبراير 2026م/ 10 شهر رمضان 1447ق)، والتي أدّت إلى استشهاد آية الله العظمى الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه عليه).

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل