*التواقيع السامة*

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٣٩٦، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

🔍 ماذا تقول التجربة التاريخية بشأن التفاوض والتفاهم مع الولايات المتحدة؟..

✍️ إن تاريخ العلاقات بين امريكا وإيران، أكثر من كونه رواية للتفاعل، هو رواية لنقض العهود والضغوط والتغيير المتكرر للالتزامات من جانب الحكومات الأمريكية.
إن استعراض ما يقرب من خمسة عقود منذ انتصار الثورة الإسلامية يُظهر أن ما تغيّر في واشنطن لم يكن سوى أسماء الرؤساء، أما جوهر السياسات القائمة على الضغط والعقوبات وممارسة القوة ضد إيران فقد بقي على حاله.
ولذلك، في كل مرة يُطرح فيها موضوع التفاوض والاتفاق مع امريكا، يبرز السؤال الأساسي:
هل يشكل توقيع الرئيس الأمريكي ضمانة لتنفيذ بلاده لالتزاماتها أم لا؟

👈 يجب البحث عن الإجابة على هذا السؤال في التاريخ. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية، انتهجت الإدارات الأمريكية المختلفة، من جيمي كارتر إلى رونالد ريغان، وجورج بوش الأب، وبيل كلينتون، وجورج بوش الابن، وباراك أوباما، وجو بايدن، ودونالد ترامب، وبخطابات مختلفة ولكن باستراتيجية متقاربة، سياسة الضغط على الجمهورية الإسلامية.
ولم يؤدِّ تغير الحكومات إلى رفع العقوبات أو إنهاء سياسة احتواء إيران، وإنما تغيّرت فقط أساليب تنفيذ هذه السياسات.

🖼 ومن أبرز الأمثلة على هذا السجل فترة الدفاع المقدس (الحرب العراقية الإيرانية) التي استمرت ثماني سنوات.
ففي الوقت الذي كان فيه نظام البعث العراقي قد بدأ حربًا شاملة ضد إيران، قدمت الولايات المتحدة معلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية، ودعمًا سياسيًا، وسهّلت وصول العراق إلى الإمكانات التي يحتاجها، مما أسهم عمليًا في تعزيز آلة صدام الحربية.
كما أن إسقاط المدمرة الأمريكية “فينسنس” للطائرة المدنية الإيرانية عام 1988، والذي أدى إلى استشهاد 290 مدنيًا، لا يزال جرحًا راسخًا في الذاكرة التاريخية للشعب الإيراني؛ وهي حادثة لم يصاحبها اعتراف بالمسؤولية أو معاقبة المسؤولين عنها، بل إن قائد المدمرة حظي لاحقًا بالتكريم.

👈 ومن أهم الاختبارات لمصداقية توقيع رئيس الولايات المتحدة الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة – برجام). فقد نفذت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفقًا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التزاماتها النووية وقبلت بقيود واسعة.
وفي المقابل، كان من المفترض رفع العقوبات وتهيئة الظروف لتطبيع العلاقات الاقتصادية.
إلا أن إدارة أوباما، التي كانت من الموقّعين على الاتفاق، لم تلتزم به بالشكل المطلوب، ثم انسحبت إدارة دونالد ترامب الأولى من الاتفاق من جانب واحد عام 2018، واعتمدت سياسة “الضغط الأقصى” وفرضت عقوبات أشد من السابق.
وقد قوبل هذا الإجراء باعتراض العديد من الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة، وأوصل للرأي العام الإيراني رسالة مفادها أن توقيع رئيس الولايات المتحدة لا يمكن أن يشكل ضمانة موثوقة لاتفاق دولي.

🔹 كما أن وصول إدارة جو بايدن إلى السلطة لم يغيّر هذه القناعة.
فعلى الرغم من رفع شعار العودة إلى الاتفاق النووي، بقيت العقوبات قائمة ولم تفضِ المفاوضات إلى نتيجة. وأظهرت هذه التجربة أن تغيير الرئيس الأمريكي لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك العملي للولايات المتحدة، وأن الأهداف العدائية تتقدم على الالتزامات السياسية.

🔹 وفي أحدث صورة نقض العهود، الولايات المتحدة هاجمت إيران مرتين أثناء سير المفاوضات، بالتعاون مع إسرائيل، وارتكبت أعمالًا غير مسبوقة ومروعة. وان هذه الهجمات أسفرت عن استشهاد قائد الثورة الإسلامية الإيرانية وعدد من القادة العسكريين والعلماء والمدنيين، بمن فيهم أطفال وتلاميذ.

👈 وبعد الحرب التي استمرت أربعين يومًا، تم توقيع مذكرة تفاهم بوساطة إسلام آباد بين رئيسي الولايات المتحدة وإيران، إلا أن الولايات المتحدة انتهكت بنود هذه المذكرة مرارًا، مما أدى إلى نقضها بالكامل.

🖼 وفي آخر رسالة للقائد، آية الله العظمى السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، جاء فيها أن “الشيطان الأكبر” كشف مرة أخرى عن وجهه الحقيقي، ونقل عنه قوله:

“إن نقض العهود المتكرر من قبل الشيطان الأكبر تجاه مذكرة التفاهم الموقعة بين رئيسي إيران وأمريكا أثبت مرة أخرى للجميع مدى انعدام قيمة ومصداقية توقيع رئيس الولايات المتحدة، وأن التسلط والسعي للهيمنة والوحشية هي مكونات لا تنفصل عن النهج الأمريكي. واليوم كشف الشيطان الأكبر مرة أخرى عن وجهه الحقيقي بلا قناع، لتكون هذه التجربة المظلمة من الجريمة ونقض العهد دليلًا آخر على كذب الولايات المتحدة وعدم منطقيتها وعدم أهليتها للثقة وخبثها”.

إن مجمل هذه الأحداث كشف حقيقة واضحة، وهي أن الاتفاق في السياسة الخارجية الأمريكية يظل معتبرًا فقط ما دام منسجمًا مع مصالح واشنطن، أما إذا تغيّرت تلك المصالح، فإن إعادة النظر فيه أو حتى الانسحاب من الالتزامات يظل خيارًا قائمًا.

ولهذا السبب، قادت التجربة التاريخية للثورة الإسلامية في إيران الساسة وصنّاع القرار الإيرانيين الذين يُنظر إليهم على أنهم عقلاء إلى خلاصة مفادها أن الاعتماد على الوعود الأمريكية لا يمكن أن يشكّل أساسًا لضمان المصالح الوطنية.

فالتاريخ هو أفضل حكم على سلوك الدول.
كما تُظهر تجربة العلاقات الإيرانية–الأمريكية أن حالة انعدام الثقة القائمة ليست نتيجة مجرد شعار سياسي أو حتى مقاربات أيديولوجية، بل هي حصيلة عقود من التجارب؛ بدءًا من دعم الولايات المتحدة للنظام الصدامي خلال الحرب العراقية الإيرانية، واستمرار العقوبات، مرورًا بانسحابها الأحادي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة)، وعمليات الاغتيال والتخريب، ومواصلة سياسة الضغط، ووصولًا إلى انتهاك تفاهم إسلام آباد والهجوم على إيران في خضم المفاوضات.

وانطلاقًا من ذلك، فإن أهم درس يمكن استخلاصه من هذه التجربة التاريخية هو أن القوة، والتماسك الداخلي، والاعتماد على القدرات الوطنية، تمثل في عالم اليوم السبيل لتجاوز التحديات والصعوبات.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir

ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل