شبهات حول المعاد | لماذا لا يؤمن بعض الناس بالقيامة والمعاد؟

هل يعود إنكار القيامة إلى خلل في الفكر أم إلى هوى النفس؟ يبيّن القرآن الكريم، من خلال استدلال عقلي، أن الإنسان قد يُحجم عن قبول الحقيقة أحيانًا بسبب شبهة فكرية، وأحيانًا أخرى بسبب تعلقه بالأهواء والرغبات.

إذا سألنا القرآن الكريم عن السبب الرئيس لإنكار القيامة، فإن جوابه لا يقتصر على سبب واحد؛ بل يبين أن إنكار المعاد ينشأ غالبًا من مصدرين: فقد يكون الإنسان واقعًا تحت تأثير شبهة فكرية، وقد تحول الأهواء والرغبات النفسية بينه وبين قبول الحقيقة. وبعبارة أخرى، قد تكمن المشكلة أحيانًا في الفكر، وأحيانًا في الدافع.

عندما نقيس قدرة الله بقدرة الإنسان.

قد لا ينكر بعض الناس المعاد بدافع العناد، وإنما لأنهم يتصورون أن إعادة الإنسان إلى الحياة بعد أن يتحول جسده إلى تراب وعظام أمر غير ممكن في الأصل.

ويثور في أذهانهم التساؤل: كيف يمكن أن تجتمع ذرات الإنسان المتناثرة مرة أخرى ليعود الشخص نفسه إلى الحياة؟ ولا يتجاهل القرآن هذا السؤال، بل ينقله بصراحة ووضوح:

«أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ» (صافات/16)

أي: أإذا متنا وأصبحنا ترابًا وعظامًا، أَنُبعث من جديد؟ وكذلك آباؤنا الأولون؟ ومن الذي يحيي هذه العظام البالية؟

ويأتي جواب القرآن بأسلوب يدعو إلى التأمل؛ فهو لا يطلب من الإنسان أن يقبل هذه الحقيقة دون دليل، وإنما يدعوه إلى مقارنة عقلية واضحة: فالإله الذي خلق الإنسان أول مرة من العدم، أفيعجز عن خلقه مرة أخرى؟

فإذا كان إيجاد الإنسان من العدم ممكنًا، فكيف تكون إعادة خلقه من مواد موجودة أصعب من ذلك؟

ولهذا يقول القرآن:

«قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» (يس/79)

ثم يطرح سؤالًا آخر: أليس الذي خلق السماوات والأرض بكل هذه العظمة قادرًا على أن يعيد خلق الإنسان؟ بلى، فهو الخالق العليم القدير.

ولتقريب هذه الحقيقة إلى ذهن الإنسان، يلفت القرآن النظر إلى مشهد يشاهده الناس كل عام؛ فإذا كان الإنسان يشك في البعث، فليتأمل بداية خلقه، إذ خلقه الله من العدم، ثم من نطفة. ومن جهة أخرى، يرى كل عام الأرض اليابسة الميتة، فإذا نزل عليها المطر دبت فيها الحياة، واهتزت، وأنبتت من كل زوج بهيج.

فإذا كان الله يحيي الأرض الميتة في كل عام، فكيف يكون إحياء الإنسان أمرًا مستحيلًا عليه؟

ولهذا يخلص القرآن إلى أن الله تعالى قادر على كل شيء، وأن البعث حقيقة ثابتة، وأنه سيحيي جميع البشر من جديد:

«وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ»

حين لا تكون المشكلة نقص الأدلة، بل الهروب من المسؤولية

غير أن القرآن لا يعدّ جميع منكري المعاد أشخاصًا واجهوا مجرد شبهة فكرية؛ ففي بعض الأحيان لا تكمن المشكلة في غياب الدليل، وإنما في عدم الرغبة في تقبل ما يترتب على هذه الحقيقة.

فالإيمان بالقيامة يعني الإيمان بأن كل تصرف واختيار سيخضع للحساب، وأن الإنسان سيُسأل يومًا عن جميع أعماله. ومثل هذا الاعتقاد يدعو الإنسان إلى ضبط النفس، والالتزام بحدود الله، واحترام حقوق الآخرين.

ومن الطبيعي أن يشعر من يريد أن يتصرف وفق أهوائه من دون تحمل أي مسؤولية بعدم الانسجام مع هذا الاعتقاد، ولذلك قد يلجأ إلى إنكار أصل المعاد تهربًا من المسؤولية.

ويعبّر القرآن عن هذه الحقيقة بدقة في قوله:

«بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ»

أي إن الإنسان لا يشك في المعاد بقدر ما يريد أن يعيش بحرية، وأن يقترف المعاصي طوال حياته من دون خوف من الحساب يوم القيامة.

وبعبارة أخرى، فالمشكلة ليست في انعدام الأدلة على المعاد، وإنما في عدم الرغبة في الالتزام بما يترتب على الإيمان به. ومن ثم، يصبح إنكار القيامة وسيلة للتهرب من المسؤولية الأخلاقية ومن الشعور بالمحاسبة.

ولهذا يقول القرآن:

«وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ» (مطففين/12)

ويشير القرآن بعد ذلك إلى حقيقة أكثر دقة، وهي أن الذنب ليس مجرد سلوك خاطئ، بل إن تكراره يترك أثرًا تدريجيًا في روح الإنسان وقلبه، حتى يفقد قدرته على تمييز الحق.

فالإنسان الذي يكرر مخالفة الحقيقة ينتهي به الأمر إلى إنكارها. ولذلك يقول تعالى:

«إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا…» (مطففين/13)

أي: إذا تُليت عليه آيات الله قال: إن هذه ليست إلا أساطير الأولين.

ثم يبين سبب هذا الموقف بقوله:

«كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (مطففين/14)

أي إن الأمر ليس كما يزعمون، بل إن أعمالهم قد غطّت قلوبهم بطبقة من الصدأ، فأضعفت قدرتهم على إدراك الحقيقة.

ومن اللافت أن القرآن يجمع بين هذين السببين لإنكار المعاد في سورة القيامة؛ ففي الآيات الأربع الأولى يجيب عن الشبهة الفكرية، فيقول: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿۱﴾ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴿۲﴾ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴿۳﴾ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴿۴﴾.

ثم تكشف الآيتان الخامسة والسادسة عن الدافع الكامن لدى كثير من المنكرين، موضحتين أن المشكلة ليست دائمًا نقص الأدلة، بل إن الإنسان قد يرغب في أن يعيش كما يشاء من دون أن يشغل نفسه بالحساب، ولذلك يتساءل على سبيل الإنكار:

«أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ»

وبناءً على ذلك، فإن القرآن يرى أن إنكار المعاد لا يصدر دائمًا عن سبب واحد؛ فقد يكون منشؤه العجز عن إدراك قدرة الله المطلقة، وقد يكون نابعًا من التعلق بحياة لا تعرف القيود ومن الرغبة في التهرب من المسؤولية.

وفي الحالتين، يعالج القرآن هذين العائقين بالحجة والحوار، ويمهّد الطريق أمام الإنسان لتقبّل الحقيقة عن وعي وبصيرة.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

تأثر فقهاء الإمامية في تبويب الفقه بالتأليف السني؟
الأحكام الشرعية | استيراد الملابس الأجنبية وبيعها واستخدامها
ما هو أفضل عمل في شهر رمضان المبارك؟
ما هي فلسفة الابتلاءات والصعوبات؟
السؤال : ارجو التفصيل في سند هذا الحديث أبو علي الأشعري، عن عبد الله بن موسى، عن الحسن بن علي الوشاء قال:
سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: إن لكل إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة ؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل