افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٤٠١، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR
🔍 نظرة إلى أبعاد وأسباب الادعاء المتكرر للرئيس الأمريكي بشأن التفاوض والتوصل إلى اتفاق مع إيران..
📝 عاد دونالد ترامب ليزعم مرة أخرى أن إيران تسعى إلى التوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة، وهو ادعاء كرره مرارًا منذ اندلاع الحرب التي استمرت أربعين يومًا، ولم يعد بالإمكان اعتباره موقفًا جديدًا أو مؤشرًا على تغير في المعادلات. بل إن هذه التصريحات تمثل استمرارًا للرواية التي عمل البيت الأبيض خلال الأسابيع الماضية على ترسيخها في الرأي العام.
🔹 لكن لماذا يكرر ترامب هذا الادعاء بهذا الإصرار؟
إن الإجابة لا ينبغي البحث عنها في طهران، بل في واشنطن.
فالإدارة الأمريكية تجد نفسها اليوم، أكثر من أي وقت مضى، منشغلة بإدارة تداعيات أزمة كانت هي من بدأها. فالحرب التي كان يُفترض أن تؤدي، عبر ضربات قوية وسريعة، إلى إضعاف إيران وتغيير موازين القوى الإقليمية لصالح واشنطن، تحولت الآن إلى أزمة باهظة التكلفة، لم تحقق أهدافها المعلنة، كما لا يبدو الخروج منها أمرًا سهلًا.
ومن ثم، فإن ترامب، بتكراره الادعاء بأن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، لا يتحدث بقدر ما عن حاجة طهران، بل يسعى إلى إخفاء رغبته وحاجته هو إلى اتفاق يتيح له الخروج المشرف من المستنقع الذي صنعه بقراراته.
🔹 وفي هذا السياق، كتبت صحيفة “نيويورك تايمز” أن قرار ترامب بشأن الاستمرار في الحرب أو إنهائها أصبح أكثر صعوبة، بينما أفادت “وول ستريت جورنال” بأن ترامب يشعر بالإحباط والغضب من طول أمد الحرب التي كان يتوقع أن تنتهي خلال بضعة أسابيع. كما أقر “ليون بانيتا”، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، بأن واشنطن أصبحت، نتيجة لهذه الحرب، عالقة في “مأزق كبير”، وأن ترامب يبحث عن مخرج. وتشير هذه التقييمات مجتمعة إلى أن الحرب، خلافًا للتوقعات الأولية، تحولت إلى ملف معقد ومكلف بالنسبة للبيت الأبيض.
🔹 وقد انعكس هذا الواقع حتى على الرأي العام الأمريكي.
فوفقًا لاستطلاع أجرته شبكة “CBS News”، يرى 76% من الأمريكيين أن إدارة ترامب واجهت في الحرب مع إيران صعوبات تجاوزت توقعاتها.
وفي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن يحاول ترامب تقديم رواية مختلفة للأحداث؛ رواية توحي بأن الولايات المتحدة ليست هي التي تبحث عن الخروج من الأزمة، بل إن إيران هي التي تبدي رغبتها في التوصل إلى اتفاق.
وهذه تقنية معروفة في السياسة، تقوم على تحويل الحاجة الذاتية إلى مطلب يُنسب إلى الطرف الآخر.
فإذا اقتنع الرأي العام الأمريكي بأن إيران مستعجلة للتوصل إلى اتفاق، تستطيع الإدارة أن تقدم أي تراجع أو تغيير في المسار على أنه نتيجة لنجاح سياسة “الضغط الأقصى”، لا نتيجة للتكاليف الباهظة للحرب.
🔹 وبطبيعة الحال، فإن المخاطب بهذه التصريحات ليس إيران وحدها. فجزء كبير من هذه الرسائل موجه إلى الداخل الأمريكي.
فقد أثرت زيادة التوتر في غرب آسيا خلال الأشهر الأخيرة مرارًا على أسواق الطاقة، وعززت المخاوف بشأن ارتفاع أسعار النفط وتداعياته الاقتصادية.
ومن ثم، فإن الإيحاء بأن طريق الاتفاق لا يزال مفتوحًا وأن الأزمة تتجه نحو الاحتواء، قد يكون محاولة لطمأنة الأسواق وتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية على الإدارة الأمريكية.
🔹 وفي الوقت نفسه، قدم تقرير لشبكة “CNN” صورة مختلفة لما يجري خلف كواليس البيت الأبيض.
فقد نقلت الشبكة عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب، رغم حديثه العلني عن الخيار العسكري، يطلب في الاجتماعات الداخلية من المفاوضين مواصلة المحادثات. كما أعرب كل من “جي دي فانس” و “دان كين”، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، عن قلقهما إزاء تراجع المخزونات العسكرية الأمريكية وتداعيات استمرار الحرب. ويكشف هذا التناقض عن وجود فجوة واضحة بين الخطاب الإعلامي للبيت الأبيض وحساباته الفعلية.
🔹 ومن النقاط اللافتة الأخرى في تصريحات ترامب اليوم، إشارته إلى احتمال تقديم روسيا دعمًا استخباراتيًا وفضائيًا لإيران. وبغض النظر عن صحة هذا الادعاء أو عدمها، فإن طرح مثل هذا الموضوع يُعد في الواقع اعترافًا غير مباشر بدقة وفعالية العمليات الإيرانية. فلو كانت القدرات العسكرية الإيرانية قد دُمرت بالفعل، كما ادعى المسؤولون الأمريكيون في بداية الحرب، لما كانت هناك حاجة إلى طرح مثل هذه الفرضيات.
وفي السياق نفسه، ذكرت صحيفة “الغارديان” أن إيران تمكنت خلال الأشهر الأخيرة من تعزيز قدرتها بشكل ملحوظ على استهداف القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية في المنطقة.
✍️ من جهة أخرى، فإن ارتفاع كلفة الحرب بالنسبة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني جعل مفهوم “الردع” أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
فالردع لا يقتصر على منع اندلاع الحرب، بل يعني أيضًا إرغام الطرف المقابل على إعادة النظر في حساباته والاعتراف بأن استمرار الصراع سيكلفه أكثر مما سيجني منه من مكاسب. ويبدو أن واشنطن تواجه اليوم هذا الواقع تحديدًا.
🔹 ورغم أن الإدارة الأمريكية لا تزال تتحدث من موقع القوة، فإنها تواجه عمليًا قيودًا عسكرية واقتصادية وسياسية متعددة، حدّت من نطاق خياراتها.
🔹 ولعل هذا ما دفع “أنتوني بلينكن”، وزير الخارجية الأمريكي السابق، إلى القول إن الرئيس الأمريكي «عالق في دوامة إيران» ويبحث عن مخرج، لكنه لا يجد هذا المخرج بسهولة.
وإلى جانب هذه التقييمات، يشير تقرير لوكالة “بلومبرغ” حول صعوبة توفير التمويل اللازم للحرب إلى أن مواصلة هذا المسار تواجه عقبات جدية، حتى من الناحيتين الاقتصادية والسياسية.
🔹 وبصورة عامة، فإن تكرار الادعاء بأن «إيران تسعى إلى التوصل إلى اتفاق» هو محاولة لإدارة واقع مختلف؛ واقع يعكس تزايد صعوبة خروج الولايات المتحدة من الأزمة التي كانت هي نفسها سببًا في نشوئها. واليوم، لم يعد السؤال الرئيس في واشنطن هو كيفية زيادة الضغط على إيران، بل كيفية إيجاد سبيل لإنهاء حرب تفرض على الولايات المتحدة، يومًا بعد يوم، مزيدًا من التكاليف. ومن هذا المنظور، فإن إصرار ترامب على تكرار هذا الادعاء يمكن اعتباره، قبل أي شيء، محاولة لإخفاء حاجة البيت الأبيض إلى اتفاق، وتقديم صورة توحي بالقوة في عملية خروج أصبحت، في الواقع، أكثر من أي وقت مضى ضرورةً بالنسبة للإدارة الأمريكية.
🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir
—
ترجمة مركز الإسلام الأصيل





