ابني لا يتحمّل الخسارة، ماذا أفعل؟

الآباء الذين يقدّمون قيمة الجهد على النتيجة، يصنعون جيلاً لا يخاف من الخطأ ويتعلّم من الخسارة.

بحسب تقرير وكالة أنباء حوزة، في عالم أصبحت فيه المنافسة جزءًا لا يتجزأ من الحياة، فإن تعليم «تحمّل الخسارة» لا يقتصر على الألعاب فحسب، بل له أهمية أساسية في جميع جوانب النموّ الشخصي للطفل.

تحمّل الخسارة يعني تقبّل الفشل بوصفه جزءًا من عملية التعلّم والنمو. وهذه الخصيصة تجعل الطفل أكثر مرونة، وأكثر وعيًا بذاته، وأكثر قدرة على الاندماج الاجتماعي. والآباء الذين يستطيعون ترسيخ ثقافة صحيحة للمنافسة والتعامل مع الإخفاق داخل الأسرة، سيكون لديهم أبناء لا يخشون الفشل في مرحلة الرشد، بل ينظرون إليه بوصفه جسرًا نحو نموّهم الشخصي والمهني.

القسم الأول: الجذور النفسية لعدم تحمّل الخسارة

عدم تحمّل الخسارة ليس مجرد مشكلة سلوكية، بل له جذور في البنية المعرفية والنظام القيمي لدى الطفل. وفهم هذه الجذور ضروري للتدخلات التربوية الفاعلة.

  1. مفهوم الذات الهشّة

الأطفال الذين يعانون من ضعف الثقة بالنفس يشعرون عند الفشل بانعدام القيمة؛ لأن أذهانهم تربط مباشرة بين «الخسارة» و«عدم الكفاءة». وغالبًا ما يرتبط هذا النمط من التفكير بما يُعرف بنظرية «العقلية الثابتة»، أي اعتقاد الطفل بأن قدراته وذكاءه فطريان وغير قابلين للتغيير. وإذا كان الوالدان يمدحان طفلَهما فقط عند الفوز، فإنهما يعزّزان – دون وعي – فكرة أن قيمة الإنسان تكمن في الربح، لا في الجهد.

تجلّيات هذا الجذر: نقلٌ معنوي داخلي: «فزتُ = أنا جيد.» / «خسرتُ = أنا سيئ/عديم القيمة.»

الخوف من التقييم: يتجنب الطفل المواقف التي تتطلب إظهار مهاراته خشية أن يفشل وتُمسّ سمعته.

  1. الإفراط في التشجيع والثناء

الثناء المفرط، ولا سيما المتمركز حول النتائج مثل: «أنت الأذكى!» قد يأتي بنتائج عكسية. فعندما يُغدَق على الطفل بالمديح الكبير لأصغر إنجاز، يترسّخ في ذهنه تدريجيًا شرطٌ مفاده: «يجب أن أفوز دائمًا كي أُحَبّ وأُقَبَل». وعندئذ تصبح الخسارة بمثابة «انقطاعٍ للحب» من قِبل الوالدين.

الآلية النفسية: تؤدي هذه الظاهرة إلى قلق الأداء؛ فالطفل لم يعد يلعب من أجل المتعة أو التعلّم، بل يسعى إلى نيل القبول الخارجي. وهكذا لا تصبح الخسارة مجرد نتيجة غير مرغوبة، بل تهديدًا للعلاقة العاطفية مع الوالدين.

  1. الأنماط الأسرية

الأطفال مراقبون دقيقون؛ فطريقة تعامل الوالدين مع الخطأ، أو التأخير، أو الإخفاق، أو المشكلات، تنتقل مباشرة إلى الطفل. فإذا كان الأب أو الأم يتعاملان مع الفشل في حياتهما بالغضب، أو اليأس، أو لوم الذات أو الآخرين، أو الهروب، فإن الطفل يتعلّم أن الفشل كارثة لا يمكن السيطرة عليها.

نماذج سلوكية للوالدين:

والدٌ يجمع أدوات اللعبة بعصبية بعد خسارته في لعبة جماعية.

والدٌ يبدأ بالتذمّر والشكوى عند مواجهة تأخير في العمل.

إصرار الوالدين على الكمال في أداء الطفل في كل شيء.

  1. نقص التجربة في المنافسة السليمة

بعض الآباء، بدافع حماية الطفل من المشاعر السلبية كالخيبة أو الحزن، يبعدونه عن المواقف التنافسية أو المليئة بالتحديات. وهذا يحرم الطفل من فرصة تعلّم ردود الفعل الطبيعية تجاه الفشل وإدارتها ضمن بيئة آمنة.

النتيجة:
يفتقد الطفل «العضلة الانفعالية» التي تمكّنه من تحمّل الإخفاق. وفي البيئات التنافسية الواقعية مثل المدرسة أو الرياضة، تكون قدرته على التكيّف مع المشاعر السلبية منخفضة.

القسم الثاني: الآثار السلبية لعدم تحمّل الخسارة في مرحلة الطفولة والمراهقة

إن عدم تنمية القدرة على تحمّل الخسارة يترك آثارًا طويلة الأمد على النموّ الاجتماعي والانفعالي والتحصيلي للفرد.

مجال التأثير: العلاقات الاجتماعية

الأثر السلبي: العزلة وتراجع العلاقات الإيجابية

الأطفال الذين لا يريدون أن يخسروا يبتعدون عن الألعاب الجماعية أو لا ينافسون من هم أكثر مهارةً منهم؛ لأنهم يخشون الفشل. هذا الابتعاد يؤدي إلى ضعف مهارات العمل الجماعي والصداقة.

مجال التأثير: الصحة النفسية

الأثر السلبي: قلق الأداء

يعيش هؤلاء الأطفال في حالة تأهّب ذهني دائم. والخوف من الخسارة يجعل كل نشاط — كالواجبات، أو الاختبارات، أو المسابقات — يتحول إلى توتر مزمن. وقد يؤدي ذلك إلى نزعة كمالية غير صحية.

مجال التأثير: النموّ المعرفي

الأثر السلبي: انخفاض الدافعية للتعلّم

عندما يرى الطفل أن الخسارة تعني العجز، يفقد الدافع إلى التعلّم. وبدلًا من أن يتعلّم من أخطائه (عقلية النمو)، يحاول الهروب من الخطأ. وهذا يبطئ عملية اكتساب المعرفة.

مجال التأثير: التنظيم الانفعالي

الأثر السلبي: مشكلات سلوكية حادة

الغضب، والمقاطعة، ورمي الأشياء، وعدم احترام الآخرين مثل الحكم أو الخصم أو زميل الفريق، أو حتى السلوك العدواني بعد الخسارة، كلها علامات شائعة لعدم تحمّل الخسارة. وهذه السلوكيات تعبّر عن عجز في معالجة الانفعالات السلبية.

مجال التأثير: النجاح على المدى البعيد

الأثر السلبي: تجنّب المخاطرة

في مرحلة الرشد، يتجنب هؤلاء الأشخاص قبول فرص مهنية أو تعليمية جديدة قد تنطوي على احتمال الفشل، وبذلك يحدّون من إمكانات نموّهم.

القسم الثالث: استجابات الوالدين؛ ما الذي لا ينبغي فعله

إن ردّ فعل الوالدين في لحظة الخسارة أمر حاسم. فالاستجابات الخاطئة قد تعمّق جرح الفشل وتعرقل عملية التعلّم.

  1. الإهانة أو اللوم

استخدام نبرة مهينة أو كلمات توبيخية يضرّ مباشرة بثقة الطفل بنفسه.

عبارات ممنوعة:
«أكان هذا صعبًا إلى هذه الدرجة؟»
«أنت تخسر دائمًا!»
«لماذا أنت ضعيف هكذا؟»
«انظر إلى فلان كم لعب جيدًا!»

هذه العبارات تعزّز الشعور بالخجل ولها أثر تربوي عكسي.

  1. اللامبالاة وتجاهل المشاعر

إذا كان الوالدان غير مبالين بردّ فعل الطفل الشديد بعد الخسارة، أو قالا له: «لم يحدث شيء، اذهب والعب»، فإنه يتعلّم أن مشاعره السلبية غير مقبولة أو ينبغي كبتها. وهذا النوع من الاستجابة يضعف مهارات إدارة الانفعالات.

  1. اللجوء الفوري إلى النصح والتحليل

عندما يكون الطفل في ذروة الحزن أو الغضب، لا يكون ذهنه مستعدًا لتلقّي المنطق. ومحاولة تقديم النصيحة فورًا مثل: «كان ينبغي أن تفعل كذا…» تجعله يشعر بأن مشاعره لم تُفهم. يجب أولًا إظهار التعاطف وترك الانفعال يهدأ.

  1. القيام بالمهمة بدلًا عن الطفل أو تصحيح الخطأ نيابةً عنه

إذا تدخل الوالدان في كل مرة ليجعلوا طفلهم يفوز — مثل الجدال مع الحكم، أو توجيهه أثناء الألعاب الجماعية، أو تصحيح خطئه فورًا بعد الخسارة — فلن يختبر الطفل الأثر الحقيقي للفشل، وسيبقى معتمدًا على التدخل الخارجي في المرات اللاحقة.

القسم الرابع: استراتيجيات علمية لتعزيز تحمّل الخسارة

إن تربية القدرة على تحمّل الخسارة تتطلب تغييرًا ثقافيًا في طريقة النظر إلى الجهد، والمنافسة، والفشل داخل الأسرة.

  1. تعليم مفهوم الجهد بدلًا من النتيجة

الأساس الجوهري هو تعزيز نظرية «عقلية النمو» التي طوّرتها كارول دويك. علّم طفلك أن أهم جزء في أي نشاط هو الجهد، والاستراتيجية، والمثابرة، وليس فقط النتيجة النهائية.

تغيير لغة التشجيع:

بدلًا من قول: «لقد فزت، أنت رائع!»
قل: «أنا فخور بمدى اجتهادك في التدريب.»
«الطريقة الجديدة التي استخدمتها لحلّ المسألة كانت ممتازة.»
«لاحظت أنك واصلت المحاولة حتى عندما شعرت بالتعب.»

  1. ألعاب تدريبية منظَّمة

استخدم ألعابًا تكون الخسارة فيها جزءًا من العملية، وتكون نتائجها غير متوقعة. فهذه الألعاب يمكن أن تكون نقطة انطلاق لتعلّم إدارة المشاعر.

ألعاب الطاولة التي تتضمن عنصر الحظ: مثل لعبة «منچ» (اللعبة المشابهة للّودو)، أو «السلم والثعبان»، أو أي لعبة ورق بسيطة يختبر فيها الطفل نتائج متغيّرة.

المراجعة بعد انتهاء اللعبة:

لا تسأل: «من الذي فاز؟»
بل اسأل: «كيف كان شعورك عندما حصلت على رقم سيئ في النرد؟»
«ما الاستراتيجيات التي جرّبتها أثناء اللعب؟»
«إذا لعبنا مرة أخرى، ماذا ستفعل بشكل مختلف؟»

  1. العرض والقصص

يتعلّم الأطفال بعمق أكبر من خلال لغة القصة. اقرأ لهم أو احكِ لهم كيف واجه الأبطال الكبار إخفاقات متكررة.

محور القصة: قد يفشل بطل القصة في البداية أو يخطئ، لكنه ينجح في النهاية بفضل الإرادة وتغيير الاستراتيجية.

أمثلة: قصص تعلّم ركوب الدراجة (السقوط ثم النهوض)، أو صنع شيء تعرّض للكسر ثم إصلاحه.

  1. تعزيز التعاطف والتعاون

الأطفال الذين لا يعرفون سوى المنافسة يتعاملون مع الخسارة بوصفها مسألة شخصية. أما الأنشطة ذات النتيجة المشتركة فتركّز على قيمة المشاركة والدعم.

مشاريع عائلية جماعية: تركيب أحجيات كبيرة، أو الطهي معًا، أو بناء قلعة باستخدام قطع الليغو.

التأكيد على العمل الجماعي: «نحن فريق؛ إذا ساعد كل واحد منا، ننجح جميعًا.»

  1. قدوة الوالدين العملية

يجب أن يكون الوالدان قدوة في إدارة الفشل. فهذا هو الدرس العملي الأهم.

التعبير العلني عن الإخفاقات: عندما تخطئ في أمر ما — مثل نسيان مهمة أو إفساد طبق — عبّر عن ذلك بهدوء وروح دعابة.

إظهار عملية التعافي: «أوه، لقد حسبت هذه المعادلة خطأ. لا بأس. سأراجع الحسابات وأعيد كتابتها.»
هذا يبيّن أن الفشل ليس نهاية، بل مرحلة مراجعة.

  1. إعادة تعريف المكافآت

ينبغي أن تكون المكافأة على السلوكيات الأساسية، لا على الفوز فقط. فهذا يساعد الطفل على فهم ما السلوك الذي تنال به رضاك.

مكافأة الجهد: الثناء على إنجاز مهمة صعبة، حتى لو لم تكن النتيجة مثالية.

مكافأة السلوك الإيجابي أثناء اللعب: «شكرًا لأنك تقبّلت الخسارة بهدوء وهنّأت خصمك.»

  1. استخدام قصص النجاح الواقعية

استعرض مع طفلك واقع حياة الأشخاص الناجحين؛ فهذا يكسر الصورة غير الواقعية عن «النجاح السهل».

مثال إديسون: لقد فشل آلاف المرات قبل أن يخترع المصباح. ينبغي التركيز على أن كل فشل كان خطوة في عملية استبعاد الطرق غير الناجحة.

مثال مايكل جوردان: تم استبعاده من فريق كرة السلة في مدرسته، وجعل من ذلك دافعًا لتحفيز نفسه.

القسم الخامس: النظرة التربوية باختلاف المراحل العمرية

يجب أن تكون طريقة تعليم تحمّل الخسارة متناسبة مع مستوى النموّ المعرفي والانفعالي للطفل.

الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة (3 إلى 6 سنوات)

في هذه المرحلة، يكون فهم الطفل لمفهوم الفوز والخسارة تجريديًا، ويتركّز غالبًا على حاجاته الفورية ذات الطابع الأناني.

الهدف الأساسي: تعليم انتظار الدور، والالتزام بالقواعد البسيطة، وفهم أن الجميع لا يمكن أن يكونوا فائزين في الوقت نفسه.

الأسلوب: ينبغي أن تكون الألعاب بسيطة وقصيرة، ويغلب عليها جانب التسلية حتى لا تتشكل منافسة حادة. وإذا غضب الطفل، فبدلًا من التحليل، أظهر التعاطف معه:
«أعلم أنك تحب أن تكون الأول، لكن الآن جاء دور صديقك.»

مرحلة المدرسة الابتدائية (7 إلى 11 سنة)

في هذه السنّ يكتسب الطفل فهمًا أعمق للقوانين، والاستراتيجيات، ومفهوم العدالة. وتصبح المنافسة أكثر جدية.

الهدف الأساسي: تعليم أن الفشل جزء من اللعبة، وأن الخسارة لا تعرّف هوية الشخص.

الأسلوب: يمكن شرح معنى الخسارة من خلال الحوار وأمثلة واقعية. فإذا خسر الطفل في مسابقة، قل له:
«حتى فريقنا المفضل يخسر أحيانًا، لكنه يستعد من جديد للمباراة التالية.»
التأكيد على فكرة العودة والمحاولة من جديد أمر مهم.

مرحلة المراهقة (12 سنة فما فوق)

في هذه المرحلة يدخل المراهقون عالم التفكير التجريدي والمقارنات الاجتماعية الجادة. وقد ترتبط الإخفاقات بقلق الهوية والأداء الدراسي.

الهدف الأساسي: تعزيز تحمّل المسؤولية الشخصية عن الفشل، والقدرة على التحليل وإعادة التخطيط.

الأسلوب: ينبغي أن يقوم الحوار على التحليل والتفكير النقدي. وبدلًا من الاكتفاء بالمواساة، اطرح أسئلة تحليلية مثل:
«برأيك، ما العوامل التي أدّت في هذا الاختبار إلى عدم تحقيق النتيجة التي كنت تتوقعها؟»
«ما الدرس الذي استفدته من هذه التجربة وستستخدمه مستقبلًا؟»

القسم السادس: دور المدرسة والبيئة الاجتماعية

البيئات خارج المنزل، ولا سيما المدرسة، تُعدّ ميدانًا للتدريب الاجتماعي على تحمّل الخسارة.

تأثير بنية المدرسة على المنافسة

إذا كان الجوّ التعليمي يركّز فقط على الدرجات، والتصنيف، والفوز في المسابقات، فإن تحمّل الخسارة يضعف ويشتدّ قلق المنافسة. أما البيئة التي تركّز على التقدّم الفردي، فتجعل تقبّل الفشل أسهل.

الإجراءات اللازمة في البيئة التعليمية

تشمل هذه الإجراءات ما يلي:

تصميم قائم على التعاون:
ينبغي للمعلمين أن يصمّموا المنافسة في إطار «التعاون»؛ مثل تشكيل مجموعات تعمل معًا لتحقيق هدف تعلّم مشترك، كفهم مفهوم معقّد، بدلًا من مجرد التنافس فيما بينها.

تقييم متعدد الأبعاد:
يجب أن يشمل التقييم الجهد، والمشاركة، والتقدّم، والإبداع، لا الدرجة النهائية للاختبار فقط.

ترسيخ ثقافة مناهضة للسخرية:
لا ينبغي للبيئات الاجتماعية — كالصف، أو النادي، أو المسابقة — أن تتسامح مع السخرية من الخاسر. بل يجب إبراز قيمة جهد جميع المشاركين.

القسم السابع: تأثير وسائل الإعلام والفضاء الافتراضي

أطفال اليوم يواجهون عالماً مليئاً بالترويج للنجاح؛ حيث يُعرَض الفشل بدرجة أقل، وتغلب الصور المثالية.

الفجوة بين الواقع والعرض الافتراضي

الفضاء الافتراضي، من خلال صناعة نماذج مثالية وخالية من العيوب للمؤثرين والرياضيين المحترفين، يخلق صورة غير واقعية عن «الفوز الدائم». وهذا الأمر يفاقم المقارنات الاجتماعية المدمِّرة، ويجعل الإخفاقات العادية في الحياة اليومية تبدو غير مقبولة.

دور الوالدين في الوساطة الإعلامية

للآباء دور أساسي في هذا المجال، ويشمل ذلك:

إبراز الواقعية: من خلال حوارات بسيطة، اشرحوا الحقائق: «كل إنسان قد يخطئ، حتى الأبطال الذين تراهم على إنستغرام».

تحليل المحتوى: اسألوا الطفل عندما يشاهد مقطعاً عن فوز شخص ما: ماذا يشعر؟ وما الذي لا يراه مما يجري خلف الكواليس؟

القسم الثامن: التحليل الثقافي للسلوك تجاه الخسارة

في كثير من الثقافات، ولا سيما الثقافات ذات القيم الجماعية القوية، قد يُنظَر إلى فشل الفرد على أنه فشل للأسرة. هذا الضغط الثقافي يجعل تحمّل الخسارة أكثر صعوبة على الطفل.

الاختلاف الثقافي في تقبّل الفشل

في المجتمعات التي يُروَّج فيها لقيمة المنافسة بشكل مطلق، ويُعتبَر «الفوز» المعيار الوحيد للنجاح، يجد الأطفال صعوبة أكبر في تعلّم المرونة الانفعالية اللازمة لتقبّل الإخفاق. أما في الثقافات التي تؤكد على التعلم المستمر، فيُعتبَر الفشل جزءاً من طريق النجاح.

تغيير النموذج الفكري داخل الأسرة

يمكن للوالدين الإيرانيين أن يرسّخوا هذا النموذج في ذهن الطفل عبر تغيير النظرة من «الفوز في كل منافسة» إلى «بذل الجهد واكتساب مهارة جديدة في كل موقف». إن تعزيز لغة المديح القائمة على النمو الفردي، لا على النتيجة النهائية، هو أهم خطوة في هذا المسار.

القسم التاسع: المواجهة العملية عند غضب الطفل بعد الخسارة

إدارة الأزمة الانفعالية بعد الخسارة تتطلب الحفاظ على الهدوء وتنفيذ خطوات تدريجية:

ابقَ هادئاً: رد الفعل الحاد من الوالدين يزيد من شدة الانفعال السلبي لدى الطفل. يجب أن تكون أول من يحافظ على هدوئه. خذ نفساً عميقاً.

سمِّ مشاعر الطفل: التعاطف ضروري قبل أي توجيه. بدلاً من الصمت أو إصدار الأحكام، اعكس شعوره: «أرى أنك حزين جداً لأنك خسرت اللعبة. من حقك أن تشعر بالضيق».

اسمح له بالتعبير عن مشاعره: دع الطفل يعبّر عن حزنه: يبكي، يتذمّر، ولكن ضمن إطار الأمان الجسدي (مثلاً دون عدوان جسدي). استمع إليه دون مقاطعة أو سخرية.

لحظة التوقف وتغيير المسار: بعد انحسار موجة الغضب الأولى — عادة خلال 5 إلى 10 دقائق — يصبح الجو مهيأً للانتقال إلى المرحلة التعليمية.

الانتقال إلى مرحلة التعلّم: بعد الهدوء الكامل، ناقش سبب الخسارة والنقاط الإيجابية. يجب أن يكون الحديث عن السلوك والاستراتيجية، لا عن ذات الطفل أو شخصيته.

القسم العاشر: تمارين عملية يومية لتعزيز تحمّل الخسارة

تحمّل الخسارة، كأي مهارة أخرى، يحتاج إلى تدريب منتظم ومستمر.

ألعاب جماعية عائلية بقواعد مرنة: اختر ألعاباً يتعمّد فيها الكبار الخسارة أحياناً، أو يسمحون للطفل بالفوز في مرحلة معينة. هذا يعلّم الطفل أن اللعب أسمى من مجرد الفوز.

حوار مسائي حول خسارة صغيرة: ليطلب من كل فرد من أفراد الأسرة كل ليلة مشاركة «خسارة» صغيرة والدرس المستفاد منها. هذا يساهم في تطبيع فكرة الفشل.

إعداد جدول “نجاحاتي وإخفاقاتي”: يتضمن الجدول عمودين: «ما الذي تعلمته» و«شعوري في تلك اللحظة». يجب ربط الإخفاقات بوضوح بعملية التعلم.

كتابة عبارات إيجابية عن الفشل:

اكتبوا عبارات مثل: «الخسارة فرصة للتعلّم»، «صعوبة اليوم قوة الغد»، أو «الفشل مجرد تغذية راجعة»، وعلّقوها في غرفة الطفل.

التدرّب على إعلان النتائج بأدب: علّموا الطفل أن نهاية كل لعبة — بغض النظر عن النتيجة — ينبغي أن تقترن بالأدب: «شكراً لأنك لعبت»، «كانت لعبة جميلة».

الخلاصة

إن تحمّل الخسارة من أهم مكوّنات النمو الانفعالي والاجتماعي لدى الطفل. وهذه المهارة تشكّل أساس المرونة والقدرة على التكيّف أمام تحديات الحياة المعقدة في مرحلة البلوغ. للوالدين دور حاسم في فهم الجذور النفسية لعدم التحمّل، وتقديم نموذج سلوكي سليم، وتشكيل هذه القدرة لدى الطفل من خلال التوجيه الواعي.

عندما لا تُعَدّ الخسارة في نظر الطفل علامة عجز، بل فرصة للنمو — أي الانتقال من عقلية الثبات إلى عقلية النمو — فإن ذلك يمهّد لظهور جيل لا يخاف من الخطأ، ويستمتع بالمنافسة الصحية، ويتعلم من كل تجربة. إن تربية مثل هذا العقل تضمن مستقبلاً أكثر صحة للمجتمع؛ حيث لا يعني النجاح مجرد الفوز، بل التعلم، وإعادة البناء، والاستمرار. إن تقبّل حقيقة أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل هو المسار الأساسي للنمو، هو أعظم هدية يمكن أن نقدمها لأبنائنا.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

كيف أعرف أن غضبي طبيعي ولا أحتاج إلى مراجعة اختصاصيّ نفسي؟
السؤال: هل تُعدّ المرأة غير المحجّبة، رغم صلاح سائر أعمالها، من أهل النار؟ ولا سيّما أنّ كثيرًا من المحجّبات قد لا تكون أعمالهنّ الأخرى مستقيمة
السؤال : ما مدی صحة الرواية ( ما استفاد امرء فائدة بعد الاسلام اكثر من زوجة تطيعه اذا امرها وتسره اذا نظر اليها) ؟
السؤال: كيف يريد الله لأرواحنا أن تكون، وهل الأرواح كلها نقية لأنها نفحة من عند الله ؟
آية الله العظمى جوادي آملي يجيب: لماذا يعدّ الإسلام تربية الأبناء تكليفًا لا مجرّد خيار؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل