إذا اعتبرنا الحجاب أمراً عرفياً، فلن نتمكن أساساً من تحديد ضوابط واضحة له. والنتيجة الثانية هي أن الحجاب لن يكون أمراً ثابتاً، بل سيظل متغيراً باستمرار. أما النتيجة الثالثة، فهي أن تحويل الأحكام إلى أمور عرفية لا يقتصر على الحجاب، بل يشمل جميع الأحكام الشرعية، وعندئذٍ يصبح الدين خالياً من مضمونه ومحتواه.
الشبهة: الحجاب حكم عرفي، وليس حكماً شرعياً.
يرى بعض القائلين بأن الحجاب حكم عرفي، وليس حكماً شرعياً، مجموعة من الأدلة، من أبرزها:
- تذكر روايات متعددة بشأن الأمة المسلمة أنها لا يجب عليها تغطية رأسها، بل إن بعضها ينهى عن تحجّبها. ويُستدل من ذلك على أنه لو كان الحجاب حكماً شرعياً، لما كان هناك فرق بين الحرة والأمة.
- وردت روايات تُعفي النساء البدويات من تغطية الرأس، وتذكر أنه لا حرج في النظر إلى وجوههن، مع كونهن غير محجبات.
- وردت روايات تفيد بأنه في بعض الظروف الخاصة لا يجب الالتزام بالحجاب، ويُستشهد برواية تتعلق بالسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، مفادها أنها عندما رأت أن حياة الإمام علي (عليه السلام) أصبحت في خطر، قررت أن تكشف رأسها وتبعثر شعرها. ويقال: لو كان الحجاب حكماً شرعياً، لما أقدمت على ذلك.
- وردت روايات تفيد بأنه إذا خرجت المرأة من منزلها ولم تجد ما تستر به شعرها، فلا يلزمها تغطيته.
- تَرِد في الروايات المتعلقة بالحجاب عبارات توحي بأن الحجاب ليس حكماً إلزامياً، وإنما هو مجرد توصية، مثل عبارة «لا يصلح»، أي ليس مناسباً أو حسناً، و«ينبغي»، أي هو أمر مناسب وحسن.
- ورد في بعض المصادر التاريخية أنه عندما نزلت آيات الحجاب، استقبلتها نساء الأنصار، في حين لم تستقبلها نساء المهاجرين، وأن عائشة عاتبت نساء المهاجرين قائلة: مع أنكن من قوم النبي، فلماذا لم تستقبلن هذه الآيات؟ ويُستنتج من ذلك أن كل ما يختاره المجتمع من لباس ويصبح عرفاً، ينبغي لنا قبوله.
الجواب
يمكن الإجابة عن هذه الشبهة من جانبين: إجابة عامة، وأخرى خاصة.
أولاً: الجواب العام
عندما نستدل صراحةً بآيات القرآن على أن الحجاب حكم شرعي، فلا يمكننا، استناداً إلى هذه الاستدلالات الاحتمالية، أن نقول إنه مجرد أمر عرفي.
وتُظهر المصادر أن الجلباب والخمار كانا من الأعراف السائدة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)؛ إلا أن الشارع يريد أن يقرر أن الحجاب حكم شرعي، وأن استعمال الجلباب والخمار ينبغي أن يكون وفق الصورة التي حددها الشرع، ولا يصح جعل كونهما من الأعراف دليلاً على أن أصل الحجاب عرفي.
إضافة إلى ذلك، إذا اعتبرنا الحجاب أمراً عرفياً محضاً، فلن يكون بالإمكان تحديد حدوده بصورة ثابتة. والنتيجة الثانية أن الحجاب لن يكون حكماً مستقراً، بل سيظل متغيراً بتغير الأعراف. والنتيجة الثالثة أن تحويل الأحكام الشرعية إلى أعراف لا يقتصر على الحجاب، بل يمكن أن يمتد إلى سائر الأحكام.
وعندئذٍ يفقد الدين مضمونه التشريعي، وهذا يتعارض مع الآيات والروايات التي تقدم الإسلام بوصفه ديناً عالمياً خالداً.
ثانياً: الجواب الخاص
الجواب الأول:
فيما يتعلق بلباس الأمة، لا تقول الروايات الصحيحة إن تغطية الرأس محرمة أو ممنوعة على الأمة، وإنما تفيد بأن تغطية الرأس ليست واجبة عليها. أما الروايات التي تنهى الأمة عن تغطية رأسها، فهي روايات ضعيفة.
الجواب الثاني:
الموضوع هنا ليس الحجاب أصلاً، وإنما حكم النظر؛ أي إن الأشخاص الذين يتعاملون مع هؤلاء النساء ويشترونهن ويبيعونهن، لا حرج عليهم في النظر إليهن.
الجواب الثالث:
أولاً، هذه الرواية لم ترد في المصادر الشيعية. وثانياً، السيدة فاطمة (عليها السلام) لم تبعثر شعرها ولم تكشف حجابها في تلك الواقعة، وإنما هدّدت بذلك وقالت:
«وَ اللهِ لَوْ لَا اَنْ تَکُونَ سَیِّئَةٌ لَنَشَرْتُ شَعْرِی وَ لَصَرَخْتُ اِلَی رَبِّی».
وهذا يدل بوضوح على أن الحجاب حكم شرعي، وأنها لم تكن ترى لنفسها جواز كشفه حتى في تلك الظروف.
الجواب الرابع:
ورد في هذا المجال حديثان يُستند إليهما.
الأول عن الإمام الباقر (عليه السلام)، حيث قال إن الفتاة التي بلغت سن التكليف ينبغي أن تتخذ الخمار، إلا إذا لم تجده.
والثاني عن الإمام الصادق (عليه السلام) في لباس المرأة أثناء الصلاة، حيث بيّن أنه ينبغي لها أن تتحجب، إلا إذا لم تجد ما تتحجب به.
وكلا الحديثين يتحدث عن فتاة حديثة البلوغ، كما يرتبط بحالة الاضطرار وعدم توفر ما يستر به الرأس.
الجواب الخامس:
في الاستعمال الشائع في الروايات، فإن عبارتي «لا يصلح» و«ينبغي» قد تدلان على الوجوب والحرمة، ما لم توجد قرينة تصرفهما عن هذا المعنى، ولذلك لا يصح افتراض أن استعمالهما يعني دائماً عدم الإلزام.
ومن أمثلة ذلك ما نُقل عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«لَا يَصْلُحُ شِرَاءُ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ إِذَا عَرَفْتَهُ»،
أي إن شراء المال المسروق، وفق ما تدل عليه المصادر والأدلة الدينية، حرام.
الجواب السادس:
إن ما نُسب إلى عائشة من عتابها لنساء المهاجرين، وما قيل عن عدم استقبالهن لهذه الآيات، لا يعني أن الحجاب ليس حكماً شرعياً.
فكون الحكم شرعياً لا يتوقف على التزام بعض أفراد المجتمع به أو عدم التزامهم به. وإنما تُعرف شرعية الحكم من خلال أدلته ومصادره الشرعية، لا من خلال مدى التزام الناس به أو تحوله إلى عرف اجتماعي.