ردّ قرآني على شبهة: هل ظلم الإسلام المرأة؟

في الإسلام، معيار كرامة الإنسان هو التقوى، وليس الجنس؛ وقد ذكر القرآن الكريم في الآية 35 من سورة الأحزاب عشرة من فضائل الإنسان بصورة متساوية بين الرجل والمرأة، وجعل لهما أجراً واحداً. كما أن المكانة الرفيعة للسيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، التي يُعدّ مرقدها مركزاً لزيارة ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم، تمثل دليلاً واضحاً على المكانة الرفيعة للمرأة في الإسلام.

من أبرز الشبهات التي يطرحها المعارضون للإسلام القول إن الإسلام لا يمنح المرأة مكانة رفيعة، ولا يحقق المساواة والعدالة بين الرجل والمرأة. وانطلاقاً من ذلك، عرض حجة الإسلام والمسلمين التوحيدي مجموعة من النقاط في الرد على هذه الشبهة، نوردها فيما يلي.

 

الشبهة:

لماذا لا تُراعى حقوق المرأة في الإسلام، ولماذا لا توجد مساواة بين الرجل والمرأة؟

جواب حجة الإسلام والمسلمين التوحيدي:

يطرح بعض المعارضين للإسلام وبعض التيارات النسوية أحياناً أن الإسلام لا يمنح المرأة مكانة رفيعة، بل ظلمها؛ ويعتقدون أن الشريعة والمجتمع الإسلامي لم يمنحا المرأة مكانة لائقة، وأنهم وحدهم المدافعون عن المرأة وحقوقها، ويتحدثون عن المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة.

أولاً

إن القرآن الكريم جعل التقوى صراحةً معياراً لقيمة الإنسان ومكانته عند الله، وليس الجنس. يقول الله تعالى:

«إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ»

وعليه، فإن التفاضل والكرامة في المنظور الإسلامي لا يرتبطان بكون الإنسان رجلاً أو امرأة، وإنما بتقواه وعبوديته لله.

لاحظوا أن الله تعالى لم يقل: «إن أكرمكم عند الله رجالكم أو نساؤكم»، وإنما جعل المعيار هو التقوى وحدها. فكرامة الإنسان ومكانته في الإسلام لا تتحددان بجنسه، وإنما بتقواه وعبوديته لله.

ثانياً

في سورة الأحزاب، عرض القرآن نحو عشرة معايير للقيمة والفضيلة بصورة متساوية بين الرجل والمرأة. يقول الله تعالى:

«إِنَّ الْمُسْلِمِینَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِینَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِینَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِینَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِینَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِینَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِینَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِینَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِینَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاکِرِینَ اللَّهَ کَثِیرًا وَالذَّاکِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِیمًا»

(سورة الأحزاب، الآية 35).

في هذه الآية، ذُكرت عشرة من الفضائل ومعايير القيمة بصورة متساوية ومتناظرة بين الرجل والمرأة: الإسلام، والإيمان، والطاعة، والصدق، والصبر، والخشوع، والصدقة، والصيام، والعفة، وذكر الله. وفي ختام الآية، جعل الله لكلا الفريقين المغفرة والأجر العظيم، من دون أن يميز بينهما.

وهناك نقطة أخرى ينبغي الالتفات إليها، وهي أن الله تعالى في ختام الآية من سورة الأحزاب أعدّ لجميع هؤلاء، أي للرجال والنساء معاً، المغفرة والأجر العظيم. فهو يذكر الجميع مرة واحدة إلى جانب بعضهم بعضاً، ثم يجعل الثواب للفريقين على السواء، بدلاً من أن يقول في كل مرة بصورة منفصلة: «يا أيها الرجال الذين آمنوا» و«يا أيتها النساء اللاتي آمنّ».

وهذا مع أن اللغة العربية تميز بين المذكر والمؤنث، كما تميز اللغة الإنجليزية مثلاً بين he وshe. ففي العربية أيضاً صيغ مستقلة للمذكر والمؤنث، ولو كان القرآن يخاطبهما في كل موضع بصورة منفصلة، لازداد حجم الآيات بشكل كبير.

غير أن القرآن كتاب موجّه إلى جميع الناس، ولذلك يأتي الخطاب العام في كثير من المواضع بصيغة المذكر؛ لأن صيغة المذكر في اللغة العربية تُستخدم بوصفها صيغة عامة تشمل الجنسين.

فعندما يقول القرآن:

«یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیَامُ»

فإن هذا الخطاب يشمل الرجال والنساء المؤمنين على حد سواء، ولا يختص بالرجال. وفي الحقيقة، فإن صيغة المذكر في مثل هذه المواضع هي خطاب عام يشمل الجنسين، وهذا من خصائص اللغة العربية.

وعليه، فإن استخدام القرآن لصيغة المذكر في بعض المواضع لا يعني تجاهل المرأة أو تفضيل الرجل، وإنما هو أسلوب شائع في اللغة العربية. ويتضح ذلك بجلاء في الآية 35 من سورة الأحزاب، حيث ذكر الله تعالى معايير القيمة العشرة بصورة منفصلة ومتناظرة للرجل والمرأة، حتى لا يبقى مجال للشك في تساوي قيمة الرجل والمرأة عند الله.

ويتفق مفسرو الشيعة والسنة على أن المقصود في آيات مثل «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» هو جميع المؤمنين، رجالاً ونساءً. لكن القرآن في الآية 35 من سورة الأحزاب ذكر، بصورة صريحة ومرة واحدة، عشرة معايير للقيمة لكل من الرجل والمرأة، حتى لا يبقى أي غموض:

الإسلام، والإيمان، والطاعة، والصدق، والصبر، والخشوع، والصدقة، والصيام، والعفة، وذكر الله.

وفي ختام الآية قال تعالى:

«أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِیمًا»

أي إن هذه المعايير، سواء تحققت في الرجل أو المرأة، فإن كليهما متساويان في القيمة عند الله، ولهما الأجر نفسه. وهذه هي رؤية القرآن الواضحة.

مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي

أما في المجتمع الإسلامي، ولا سيما المجتمع الشيعي، فإن مكانة المرأة أرفع بكثير مما يتصوره المعارضون. وأفضل شاهد على ذلك مرقد السيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها).

السيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) هي ابنة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وشقيقة الإمام الرضا (عليه السلام). وقد بلغت، بما اتصفت به من التقوى والإيمان والعبادة والفضائل الرفيعة، مكانةً جعلت ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم، ومن مدن وبلدان شتى، يقطعون أحياناً آلاف الكيلومترات لزيارتها والتوسل إلى الله تعالى عند مرقدها.

وهذا، في نظر الكاتب، يمثل جواباً واضحاً على النسويين والمعارضين للإسلام: لو لم يكن الإسلام يمنح المرأة مكانة رفيعة، فكيف بلغت امرأة هذه المكانة التي أصبح مرقدها مركزاً لمحبة ملايين الناس وإيمانهم وتوسلهم؟ إن هذه المكانة لم تتحقق بسبب الجنس، وإنما تحققت بالتقوى والإيمان والعبودية الخالصة لله تعالى.

كما أن إظهار المحبة والتكريم وزيارة هذه السيدة الجليلة يمثل دليلاً واضحاً على المكانة الرفيعة للمرأة في الإسلام. فمن خلال هذا التكريم والزيارة يتضح إلى أي مقام رفيع يمكن أن تصل المرأة إذا تحلت بالتقوى.

واليوم نرى أن عشرات العلماء الكبار، ويُقال إن عددهم يقارب المئة، دُفنوا بجوار السيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها). وكان من مفاخر هؤلاء الشخصيات العلمية الكبيرة والنوابغ في العالم الإسلامي أن يزوروا مرقدها في حياتهم، وأن يُدفنوا إلى جوارها بعد وفاتهم.

فإذا كانت المرأة لا قيمة لها في الإسلام، فكيف بلغت هذه السيدة الجليلة هذه المكانة؟ ولماذا يولي هذا العدد الكبير من المسلمين لها كل هذا الحب والتكريم، ويأتون من أنحاء العالم لزيارتها؟

إن هذا التكريم وهذه المكانة يمثلان، بحسب المقال، جواباً واضحاً على ادعاءات المعارضين؛ فامرأة بلغت هذه المنزلة بالتقوى والفضيلة أصبحت اليوم مركزاً لمحبة ملايين المسلمين وتعلقهم بها في أنحاء العالم.

وعليه، فإن ما له الأهمية والقيمة في الإسلام والمجتمع الإسلامي هو القيم الدينية والقيم الإنسانية الحقيقية، أما الجنس فليس معياراً للتفاضل. وإذا كانت بعض الأحكام تختلف بين الرجل والمرأة، فإن هذا الاختلاف ـ وفق هذا الطرح ـ قائم على الحكمة، ولو كان الأمر على خلاف ذلك لكان غير صحيح.

أما إذا كانت الأحكام في بعض المواضع متطابقة تماماً بين الرجل والمرأة، فإن المساواة في هذه الحالة قد تكون عين الظلم ومخالفة المنطق. فقد يظن بعض الناس أن العدالة تعني المساواة، في حين أن العدالة تختلف عن المساواة.

فلو عاد أب من سفر وأراد أن يحضر الهدايا لأبنائه، وكان لديه بنت وابن، وأراد أن يشتري شيئاً لكل منهما، فاشترى مثلاً دمية لابنته وابنه. لكن ابنته تحب الدمية كثيراً، بينما لا يهتم بها الأولاد غالباً. فهل تكون هذه المساواة صحيحة؟

أو لنفترض أن أبناءه أحدهم في العاشرة، والثاني في الخامسة عشرة، والثالث في العشرين. فإذا أراد أن يشتري لهم جميعاً ثوباً بالمقاس نفسه، ثم قال إنه راعى المساواة، فهل هذه هي المساواة؟ لا، ليست كذلك؛ وإنما هي تجاهل للفروق والاحتياجات الحقيقية بينهم.

فالعدالة الحقيقية، إذن، هي أن تؤخذ الفروق والاحتياجات الخاصة بكل شخص في الاعتبار، بما يتناسب مع حاله وموقعه، لا أن يُعامل الجميع بصورة متطابقة.

وبحسب هذا الطرح، فإن الإسلام وضع للرجل والمرأة أحكاماً تتناسب مع خصائص كل منهما وأدواره، وهذا هو عين العدالة والحكمة، وليس ظلماً أو تمييزاً.

إن محاولة معاملة الجميع بالطريقة نفسها في كل شيء تنبع من الجهل بهذه الفروق. ولذلك فإن من يقول بضرورة المساواة المطلقة في جميع الأمور، يقول قولاً غير صحيح.

فعلى سبيل المثال، في الحرب والجهاد والقتال المسلح، تكون الأولوية للرجل لا للمرأة؛ لأن البنية الجسدية للرجل ـ بحسب النص ـ أكثر ملاءمة للأعمال الشاقة والعنيفة. وهذا الاختلاف، وفق هذا التصور، ليس تمييزاً ولا ظلماً، وإنما يقوم على الحكمة ويتناسب مع طبيعة كل منهما.

ثم انظروا إلى ما فعلته أوروبا وأمريكا؛ فقد قالتا: كما يذهب الرجال إلى الخدمة العسكرية، يجب على النساء أيضاً أن يذهبن إليها. فما الذي كان في ذلك من إنصاف للمرأة؟ لقد أدخلن النساء، باسم المساواة، إلى الثكنات والمعسكرات العسكرية، مع أن كثيرين يعلمون ما قد تتعرض له النساء في هذه البيئات من اعتداءات وانتهاكات.

وهكذا، فإنهم، باسم الدفاع عن حقوق المرأة، ألحقوا بها أكبر قدر من الظلم، وأبعدوها عن مكانتها الطبيعية واللائقة بها، ووضعوها في بيئة لا تتناسب مع بنيتها واحتياجاتها.

وهذا يدل على أن المساواة المطلقة ليست عدالة، بل هي عين الظلم إذا تجاهلت الفروق والاحتياجات الواقعية. أما الإسلام، فإنه مع مراعاة الفروق الطبيعية والأدوار المختلفة، وضع للرجل والمرأة أحكاماً حكيمة تتناسب مع خصائص كل منهما، وهذا هو عين العدالة.

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأحكام الشرعية | استيراد الملابس الأجنبية وبيعها واستخدامها
الحرب في ميزان السنن الإلهية: لماذا لا مكان للهزيمة في جبهة الحق؟
مضيق هرمز: رسوم عبور أم تكاليف خدمات؟
الأحكام الشرعية | طريقة تطهير باطن الحذاء
علم النبي صلى الله عليه وآله بالغيب

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل